الرئيسية | حوار | في حوار صريــــــــــح مع الشيخ الدكتور الداعية عبد الحليــم قابة

في حوار صريــــــــــح مع الشيخ الدكتور الداعية عبد الحليــم قابة

– الدعوة إلى الله أمـانة عظيــمة ومسؤوليـة شرعية كبيرة يجب القيام بها من الجميع

– الإعلام الناجح والمؤثر،والجذّاب، والمبدع، والمتنوع ..هو ما ينبغي أن نسعى إليه

أدار الحوار : حســن خليفة^/

 

الشيخ الدكتور عبد الحليم قابة من العلماء العاملين والدعاة النشطين،والأكاديميين المميزين الذين يبذلون جهودا طيبة في مجال العمل الثقافي والديني، وفي مجال الدعوة والإصلاح، على أكثر من مستوى، وفي أكثر من ميدان : الإفتاء، الإرشاد والتوجيه، الكتابة والتدوين بإصدار الكتب والكتيبات والرسائل العلمية،الأحاديث التلفزيونية والاستشارات الفقهية،فضلا عن التواصل المميز مع إخوته من العلماء والدعاة بشكل مستمر ومنتظم، وهو عضو في الهيئة الاستشارية العلمية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين…حاورناه في كثير من المسائل والقضايا ذات الصلة بموضوع الإصلاح والدعوة …وقد أجابنا ـ مشكورا مأجورا ـ ..وإلى الحوار.

• نودّ أولا أن نقدم الشيخ عبد الحليـم في هذه البطاقة الموجزة ـ عن سيرته العلمية والمعرفية ـ ..فمن هو الشيخ عبد الحليم قابة؟.
-الاسم واللّقب: عبد الحليم بن محمد الهادي بن علي قابة.
تاريخ ومكان الميلاد: 01 سبتمبر 1962 م (2 ربيع الثاني 1382ه) بالشّريعة ولاية تبسّة -الجزائر.
المستوى العلميّ:
دكتوراه لغة ودراسات قرآنية ثم شهادة التّأهيل الجامعيّ.
الرّتبة الوظيفيّة:
(أستاذ مشارك في جامعة أم القرى) يقابلها (محاضر [أ] في جامعة الجزائر).
شهادات إضافيّة:
– دبلوم إنهاء الدّراسة الشّرعيّة والعربيّة في معهد الفرقان بدمشق.
– مجموعة من شهادات الدورات المتخصصة (مهارات العرض والالقاء، صناعة المفسر، إدارة الأزمات، فن التخريج، المكتبة الشاملة، تدريب مدربين في مهارات التفكير، إدارة التغيير، القائد الفعال، القيادة الاستراتيجية، تحليل الشخصية،…).
-إجازات في قراءة وإقراء القرءان الكريم (ضبط كتاب لا ضبط صدر).
– مجموعة إجازات في العلوم الشرعية وتزكيات من علماء دمشق الذين تتلمذ عليهم
الوظائف السّابقة:
1. إمام خطيب في مسجد الفرقان بالجزائر العاصمة (سنوات عديدة).
2. أستاذ بكلية العلوم الاجتماعية والإسلامية بمحافظة باتنة بشرق الجزائر(سنتان دراسيتان).
3. أستاذ في معهد القراءات لتكوين الأئمّة التّابع لوزارة الشّؤون الدّينيّة بالجزائر العاصمة (سنوات عديدة).
4- أستاذ بكلية العلوم الإسلامية بالجزائر العاصمة (إحدى عشرة سنة).
الوظائف الحالية:
1- أستاذ مشارك بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (سبع سنوات إلى سنة 1441هـ).
2- أستاذ متعاون في كلية الحرم المكي الشريف (أربع سنوات إلى سنة 1442هـ).
خبرة التدريس في الجامعة:
إحدى وعشرون سنة (من تاريخ 1999/12/15م إلى وقتنا الحالي ديسمبر 2020م).
الموادّ التي درّسَها:
التجويد، والقراءات، والإعجاز، والتفسير، ومنهج البحث العلمي، والثقافة الإسلامية، وعوم القرآن، وحاضر العالم الإسلامي، توجيه القراءات، علم رسم القرآن، فقه الدعوة ، خطابة، وغيرها
الهيئات والمخابر:
– عضو في وحدة البحث العلميّ التّابعة لمخبر الشّريعة في كليّة العلوم الإسلاميّة.
– عضو لجنة مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراة بقسم الثقافة (جامعة أم القرى).
– عضو لجنة تطوير المناهج وتنقيحها في قسم الثقافة والدعوة الإسلامية بكلية الدعوة بجامعة أم القرى.
النّشاطات العلمية والدعوية:
له نشاطات متنوعة في المساجد والقنوات في الجزائر وخارجها، ويمارس الإقراء بشكل فردي، ويسهم في التوعية من خلال موقعه في الفيسبوك والتويتر، وله بعض المؤلفات والمنشورات، وبعض المشاركات في الندوات والملتقيات، وهو يسأل الله القبول ومزيدا من التوفيق.
المؤلّفات:
له بعض المؤلفات عامة وفي تخصصه منها.
– القراءات القرآنية (تاريخها، ثبوتها، حجّيّتها وأحكامها).
– مسند الموطّأ (وهو ترتيب جديد على طريقة المسانيد) – (إنجاز مشترك مع الأستاذ حسين الجيجلي).
– المختصر الجامع لأصول رواية ورش عن نافع.
– المختصر الجامع لأصول رواية قالون عن نافع.
– منجد المقرئين (لابن الجزريّ-تحقيق-
– الأساس المعرفيّ للتّعليم القرآنيّ.
– علّمتني التّجارب – خواطروأفكار ورؤى
– منهج كتابة البحوث العلمية (رسالة صغيرة).
– جمعيّة العلماء كما تمثّلها لي الخواطر. (رسالة صغيرة)
– رؤى (مقالات لتصحيح المفاهيم وتقويم الموازين).
– وقفات (محطات من التأمل والاعتبار).
– مجموعة قصص قصيرة:
أ- بين الجلال والدلال.
ب- الطفل الشريد.
ج- الآن عرفت السّرّ.
-كما أن له حوالي ثمانية بحوث منشورة في المجلات المحكمة، والحمد لله في البدء والختام.
• اشتغلتم في حقل الدعوة والإصلاح ..كيف تقيّمون ما يتعلق بهذا الحقـل من خلال اشتغالكم ومتابعتكم الدائبة الدائمة (نقاط القوة ونقاط الضعف)؟
-الدعوة إلى الله وإصلاح أحوال الأمة واجب مقدس، على كل مسلم أن يُسهم فيه بما يستطيع، وهو ميدان كغيره من الميادين، انتابَه الإقبالُ والإدبار، والقوة والضعف، لكنه – بحمد الله – لم ينقطع، ولن ينقطع بإذن الله.
والمراقب عن قرب، وبأدنى مقارنة، وبأقل تأمل، يدرك أن جهود الدعاة والأئمة والموجهين لم تذهب سُدىً، فقد حققت كثيرا من الأهداف، أهمها الحفاظ على إشعاع هذا الدين على واقع الناس، وتصحيح كثير من المفاهيم، وتقرير كثير من الحقائق التي كانت غريبة عن واقع الناس فيما مضى، وصرف همم كثير من أبناء هذا الجيل إلى المعالي، ونقل الأمة من الانهزامية الفكرية إلى الاعتزاز بدينها وقيمها، دون خوف ولا وجل. ومن أهمها أيضا تفويت الفرصة على العدو ومخططاته في كثير من الجوانب،فلم يُحقق كل غاياته، ولا جل مقاصده. إلا أننا لا ننكر أن هناك ضعفا طال بعض الجوانب، لعل أهمّها جانب وحدة الكلمة وانصهار الجميع في تيار جارف تجمعه كلمة واحدة، وغايات واحدة، ومسارات متقاربة ليست متضاربة، فقد أصاب هذا الجانب – للأسف الشديد – خلل كبير، وضرر خطير، عطّل كثيرا من الجهود عن تحقيق أهدافها، بل صرف كثيرا منها عن مسارها السليم، إلى طريق غير قويم.
المهم أن هناك جوانب إيجابية في هذا الميدان كانت أقوى مما هي عليه الآن، والواجب هو إعادتهاإلى ما كانت عليه وأحسن، بعون الله.وأنّ هناك جوانب سلبية تحسنت الأحوال بضمورها وتغيُّرِ ظروف تأثيرها، فصرنا الآن ننعم بما آلَ إليه أمرُها من ضعف في التأثير، وكره في نفوس الناس كبير، بسبب جهود المخلصين وتضحيات المضحِّين. ولعل من أمثلة ذلك، ما كان يفرضه القائمون على الأنظمة الاشتراكيةوما تلاها من تكميم للأفواه وقمع للحريات، ومن منع لمظاهر الطاعات، ومن إفساد في أغلب المجالات. فقد تغير كثير من ذلك إلى ما لم يكونوا يحتسبونه، وإلى ما لا يريدونه. والحمد لله الذي أبطل ما يمكرونه.
• حدّثنا عن رسالة وأمانة التدريس(الجامعي) التي أديتها في الجزائر وفي غيرها ..كيف كانت تجربتك؟
-التدريس في بلدي الحبيب (في جامعة الجزائر وجامعة باتنة)، لا يخفى عليكم ، وأنا كغيري من الأساتذة الذين يثمّنون الإيجابيات ويحاولون إصلاح السلبيات، والحمد لله ، ولست – إن شاء الله – ممن يكرّسون السلبيات، ويحاربون الإيجابيات، كبعض المرضى شفاهم الله.
أما تجربتي في جامعة أم القرى في مكة المكرمة، فهي تجربة ناجحة، من ناحية الإفادة والاستفادة، والحمد لله؛ فقد استفدنا تجارب جديدة ومتقدمة في التعليم الإلكتروني، وفي الإدارة والتسيير، وحضرنا دورات كثيرة تنظمها الجامعة لأعضاء هيئة التدريس في مختلف ميادين المعرفة، واطّلعنا على مقررات وبرامج أسهمت في ازدياد خبرتنا بهذا الميدان، وشاركنا في لجان كثيرة أهمّها لجان الجودة مما نمَّى تجربتنا في هذا المجال بشكل كبير والحمد لله.
أما الإفادة فقد أسهمنا – وما زلنا – في اللجان والبرامج والمقررات والإشراف والمناقشات وغير ذلك من الأعمال التي تركنا فيها – أنا وإخواني الجزائريين – بصمات طيّبة، وأثرا جيّدا إن شاء الله.
• إلامَ يمكن أن نعيد أسباب ضعف التأثير الخاص بالخطاب الإسلامي (الديني الوعظي، الفكري، الدعوي، الخيري والإنساني الخ )…ما هي الأسباب .
لعلّ لديك رأيا مخالفا فنرجو أن تفيدنا في هذا الشأن ..؟
-بالنظر إلى الواقع ومتابعة هذا الميدان، وبالنظر إلى تحقق كثير من مقاصده، وبالنظر إلى تزايد عدد الملتزمين والمهتدين/ والمهتديات مقارنةً مع ما مضى، لا يمكن أن ننفي التأثّر بالخطاب الديني المتنوع في عصرنا، كما لا يمكن أن ننفي بالكلية الجوانب الإيجابية الكثيرة في الخطاب المعاصر، والتنوع في الوسائل والأساليب المعاصرة عند الدعاة والحمد لله.
ومع ذلك لا ننكر أننا نلحظ شيئا من الضعف أصاب جانب التأثر والتأثير ومدى الاستجابة ونوعيّتها، خاصة إذا ما قارنا الجيل الحالي مع الأجيال السابقة التي كان عندها شغف كبير وتعلق كبير بالعلماء ورموز الصحوة، وإقبال كبير على ما يصدر عنهم، وكانت الاستجابة أقوى بكثير مما نراه الآن.
ولعل من أسباب هذا الضعف:
أولا: كثرة هذا الخطاب في وقتنا،وانتشاره إلى الشرائح جميعابشكل أكثر من الحاجة ، مما أدى إلى زهد بعض الناس فيه وضعف التأثر بما يحويه؛ لأن العرض إذا كثر قلّ بسببه الطلب، كما هو معروف.
ثانيا: تجرُّؤ كثير من غير الصادقين، وغير المخلصين على هذا المجال مما أثَّر على قوة الخطاب ومدى تأثيره.
ثالثا: تجرّؤ كثير من الجهلة والمتطفلين وغير المؤهَّلين على هذا المجال بقوة واندفاع وحماس، مما أثمر انتشارا للجهل والخرافة وغيرها مما من شأنه إحداث ردة فعل عكسية لمقاصد الخطاب الأصلية.
رابعا: دخول بعض الأعداء والعملاء والخائنين لأمتهم ودينهم هذا المجال لإفساده وصرف الناس عن قداسته ورسالته.
خامسا: مخالفة بعض الطيّبين والمخلصين لمنهج الحكمة في الخطاب الدعوي، مما أثمر نتائج خلاف المقصود.
إلى غير ذلك من الأسباب التي يمكن أن تُذكر بالتفصيل ، لكننا آثرنا الإجمال اختصارا للمقال، ومراعاة للحال.

• أنتم أحد أبناء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأحد قياداتها الفكرية والروحية.. رافقتم نشاطها وجهودها منذ زمن غير قصير..هل يمكن أن نعرف منك ـ بصراحة ـ ما يمكن أن يمثل «تقييما» موضوعيا للجمعية على مدار السنوات السابقة؟
-نعم، أكرمني الله بالتعاون مع إخواني في جمعية العلماء منذ أوائل الألفية التي نحن الآن في بداية عقدها الثالث، وعشت فترة من زمن رئاسة الشيخ شيبان (رحمه الله) لها، وهي الفترة التي كان فيها الإقبال على الجمعية وعلى فتح شُعب لها كبيرا، وكنت في مكتبها الوطني وفي لجنة الفتوى فيها. ثم جاء الشيخ قسوم حفظه الله، وواصل المسيرة، واستمر عطاء الجمعية، وفتحها للشعب والمدارس والمواقع، وتواصل إنشاؤها للمجلات، واستمرت جريد البصائر المباركة دون توقف، ونشطت هيئة الإغاثة نشاطا منقطع النظير، والحمد لله.
غير أن كل ذلك – مما نسأل الله بركته وثوابه للجميع – لا يعني الاستغناء عن الكفاءات الموجودة في بلدنا من الذين زهدوا في الانضمام إلى الجمعية، أو لم يُنتبه لهم، أو حُرمت منهم الجمعية بسبب أو بآخر، مما أثّر على عطائها المنتظر منها، وعلى الإقبال عليها بشكل أكبر.
ومع فضل الموجودين، وجهدهم المبذول، وعطائهم المأمول، فإن التحاق كفاءات الوطن بجمعيّتهم الأمّ مطلبٌ مهم، ورغبة شريحة كبيرة من المخلصين والمحبين والأخيار، وأمر لازم للاستقرار والرشد والاستمرار.
والمقصود أن الجمعية تعاني – منذ فترة – من التقصير في استقطاب هؤلاء الأفاضل إلى ميدان جهادها وتضحياتها وبذلها وعطائها، وإن لم تتدارك هذا في القريب العاجل، بكسر الحواجز بينهم وبينها؛ فستبتلى – في المستقبل –لا قدر الله، بإسناد الأمور إلى غير أهلها، وستتضرّر بذلك أيّما تضرر، والعياذ بالله.
كما أننا لا ننكر أنها تعاني من بعض الإشكالات التي لا يسلم منها أيُّ عمل جماعي هادف.
ومع ذلك فالإنصاف يجعلنا نقول: بأن صواب الجمعية أكثر من خطئها، ووجودها وبعثها كان ولا يزال بركة على الجزائر والجزائريين، ومدارسها ومجلاتها وجريدتها ونشاطاتها وهيئة إغاثتها، وخدمتها للإسلام والوطن والأمة، لا تخفى على ذي عينين ولا ينكرها إلا جاحد حاقد، ونرجو أن تكتب هذه النشاطات في موازين حسنات كل المساهمين ، وأن يقبلهم الله أجمعين.
* الاختلاف الموجود في الساحة (الإسلامية ـ الدعوي والسياسي) هل هو قدرمقدور أم هو شيء صنعناه بأنفسنا، وغلبة الأهواء علينا..كيف تنظر إليه ، وكيف نخرج من هذا الضعف الذي يتعمّـق بسبب الانقسـام والتشرذم ..؟
-الخلاف سنة من سنن الله وهو حاصل لامحالة، على كل المستويات وفي جميع المجالات.
والواجب ليس هو القضاء على كل أنواع الخلاف، بل الواجب هو شيء من الفقه في مسألة الخلاف، يتبعه فقهٌ في مسألة التعامل مع الخلاف.
أما فقه الخلاف، فلابد – كحدٍّ أدنى – أن نعرف أن هناك دوائرَ لا تقبل الخلاف بحال، في موازين الحق والعدل، ودوائر لا يمكن أن لا يكون فيها الخلاف؛ – فالأولى: هي دائرة أصول الاعتقاد والقطعيات والمعلوم من الدين بالضرورة، إضافة إلى قضايا العقول التي لا يختلف عليها عاقلان.
– أما الثانية: فهي دائرة مسائل الاجتهاد في الفقه والدعوة والسياسة والحياة بصفة عامة، فهذه لا يمكن أن تكون محل وفاق بين الجميع أبدا ؛ لأن الله جعل ذلك سنة من سنن الكون والاجتماع لا يمكن أن تتبدل أو تزول.
أما فقه التعامل مع الخلاف ، فلا بد من التفريق فيه بين الدائرتين:
– فالدائرة الأولى؛ واجبنا هو إزالة الخلاف، والإنكار على المخالف،وعدم الرضى بالخلاف؛ لأنه حينئذ رضى بالباطل ومخالفة للصواب، وخروجٌ عن دائرة الإسلام أو دائرة العقلاء.
– أما الدائرة الثانية، فالواجب هو أدب الخلاف، واحترام المخالف، ومحاورته بنية الوصول إلى الحق دون تعصب ولا مراوغات.
وبعد هذا البيان أقول: نحن نعاني من مشكلتين في هذا الجانب:
– المشكلة الأولى: عدم التفريق بين الدائرتين مما يورث عندنا خلطا في الإقرار والإنكار، وفي ترتيب الأولويات، وحسن أداء الواجبات.
– والمشكلة الثانية: غياب أدب الخلاف في مسائل الحلاف، مما فتح باب الصراع والعداوات على مصراعيه، وتسبب في تخلف مشاريع النهضة، وضياع جهود المصلحين.
• من ملامح هذا التفرّق والتشتّت ما يتلعق بالفُتيا؛ حيث نعيش خلطا وفوضى عارمة في هذا المجال. كيف يبدو لك السبيل إلى تجميع الجهود وتحقيق نوع من الوحدة أوعلى الأقل التقارب في مجال الإفتاء والإرشاد، بما يوثّق عرى المجتمع ويقوي وحدته ويقرّب بين قلوب وعقول أبنائه وبناته؟
-أما فوضى الإفتاء فهي من نوازل العصر، ومن أخطر ما أثّر على دين الناس واستقرار أوضاعهم، حيث فتحت القنوات أبوابها لكل من هب ودبّ، وكذلك وسائل التواصل مكّنت صغار طلاب العلم والجهلة من اقتحام هذا المجال الخطير ؛ فحصل اضطراب كبير عند الناس، وضعفت ثقتهم في فقهائهم، وتجرّأ الناس على الحرام باسم التدين والفتوى، فانتُهِكت حدود الله باسم الله، واعتُدِي على أحكام الإسلام باسم الإسلام.
ولستُ هنا أنفي وجود فقهاء عمالقة، وطلاب علم جادين يُسهمون بإيجابية في هذا المجال، لكن كارثة الفوضى هي التي غلبت، والحكم للغالب كما يقول الأصوليون.
والحل -حسب رأيي- أن تركز الدول على صرف بعض نوابغها إلى التخصص في هذا المجال الخطير والمؤثر على نهضة الأمة واستقرارها.
-وأن تنُشِئ المعاهد الجادة والمتخصصة لإخراج فقهاء متضلعين يعيشون عصرهم ويحلُّون أزمات مجتمعاتهم بحسن فقههم.
– وأن يكون للسلطان – السياسي والاجتماعي – دورُه في ضبط هذه الدائرة وعدم السماح لغير المختصين المؤهَّلين بالخوض فيها .
– إضافة إلى مشاريع ضخمة تنتظر مبادرات الحكومات والمؤسسات المدنية والجامعات ونحوها، وحتى الأفراد، لخدمة هذا المنحى وإزالة اضطرابه، ويمكن أن تسبقها وتصاحبها وفرة من الكتب والمحاضرات والحصص التي تركز على أهمية ضبط المرجعيات وتعلم أدب الخلاف، وبيان شروط المفتي، ونشر ضوابط تعين العوام على حسن الاهتداء بحسن الاقتداء.
• اشتغلتم في مجال النشر والاتصال والإعلام ما هو تصوّرك للإعلام الذي يخدم الدين والوطن وينفع البـلاد والعباد ..سواء على مستوى مؤسسي (إنشاء مؤسسات وهيئات ومراكز بحث وإعلام واتصال، أوعلى المستوى الفردي من خلال جهود الدعاة والعلماء)؟
-الإعلام سلاح العصر والاهتمام به أولوية كبرى، وإهماله والزهد في حسن استغلاله، جهل وغباء وانحراف. وهذا مما لا يختلف عليه عاقلان، فليس من مسائل الخلاف حتى نعذر فيه المخالف، بل يجب تعليمه، أو تعنيفه.
ولا يخفى أن أغلب قنواتنا في واد، والمبادئ والقيم في وادٍ آخر، للأسف الشديد.
وتصوري أن الإعلام الذي ننتظر منه خدمة الأمة والحفاظ على مبادئها والإسهام الجاد في نهضتها، ليس هو ما يُسمى الإعلام الديني؛ لأن ذلك أقرب إلى الرسالة التعليمة منه إلى الرسالة الدعوية في واقعنا المضطرب، وإنما هو الإعلام الإسلامي، والمقصود بهذا المصطلح -حسب فهمي- هو الإعلام الناجح والمؤثر، والجذّاب، والمبدع، والمتنوع، الذي يٌسيّج بحدود الله فلا يتعداها، وبمقاصد الدين فلا يُهملها، وبآداب الشرع فلا يتجاوزها. فتجد فيه كل ما يرغب فيه الناس لكن دون حرام ودون خضوع لوساوس الوسواس الخناس.
فليس هو الإعلام الذي فيه درس، بعده محاضرة، بعدها خطبة جمعة، بعدها حوار ديني، بعده تذكرة، بعده موعظة، على أهمية هذه المحطات، لكنّ جمعها وتتاليها في مسار واحد، من الأخطاء الكبرى فيما نريد من إعلام يؤثّر في الجيل الجديد ويشدّه إلى متابعته، ويحقق له ما يريد من المتعة دون معصية.
فالحل – في نظري – هو توعية الناس بهذا، فإذا صار قناعة؛ فسوف يقيّض الله له من الأفراد أو المؤسسات من يحوّله إلى واقع ملموس إن شاء الله.
* بالنظر إلى أهمية الإعلام ومركزيته ..كيف تقيّم إعلام جمعية العلماء بصفة عامة وماذا تقترح كداعية ومتابع مهتم، ما هو المطلوب بالضبط من وجهة نظرك؟
-إذا أردنا أن نقيم إعلام الجمعية في ضوء ما ذكرنا سابقا، فإن الإعلام الإسلامي أمل ما زال بعيدا على واقع الجمعية وقدراتها، وأخشى أن أقول حتى على قناعات بعض أفرادها، لكنه أمل غير مستحيل، وهو من أهم اهتماماتي واهتمامات بعض الأفاضل فيها وفي غيرها، وهو من الأمور التي أنا مقتنع بها، وأركز عليها، وأدعو إليها، وأجتهد في النجاح فيها إن شاء الله يوما ما.
ومع ذلك أقول بأن تجربة الجمعية في ما أتيح لها تُعدّ ناجحة بشكل كبير، فقد استمرت جريدتها المباركة تؤدي رسالتها دون توقف، وأصدرت عددا من المجلات باللغتين، وفتحت مواقع عديدة في مواقع التواصل، ناجحة نجاحا باهرا في سد ثغرة كبيرة في هذا المجال، فالحمد لله على كل حال، وننتظر المزيد من العطاء والنجاح.
* كلمة أخيرة
-أرجو أن نوفق جميعا لنيل شرف خدمة الدين والوطن والأمة، بإخلاص وصواب، وأن يُكرمنا الله بجمع شمل أبناء وطننا على كلمة سواء، وأن يجعل جمعية العلماء محل ثقة الشرفاء، وأن يُهيّئ لها من أمرها رشدا، وأن يجعل ما تستقبل الجزائر خيرا مما استدبرته، وكذلك أمة الإسلام، بل البشرية جمعاء. إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، سبحانه. والله ولي التوفيق.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الكاتــب ومؤسس دار الحضارة للنشر والترجمة رابــح خـــدوسي في حوار مع جريدة البصائر / أكثر من ثلاثة آلاف شخصية وطنيــة في موسوعة “العلماء والأدباء الجزائريين”

* تنازلي عن حقوق التأليف للإصدارين حول «الأمير عبد القادر» تسويقٌ للثقافة الجزائرية وردٌّ على …