الرئيسية | الحـــق الـمر | تونس الخضراء

تونس الخضراء

يكتبه د. محمّد قماري/

مرت عشر سنوات من (حركة) التغيير الذي حدث في تونس، ونسارع إلى القول أن رصد الذكرى العاشرة من خلال المشهد الحالي فيه ظلم واجتزاء للحقيقة !
إذ من المؤكد أن وضع تونس الحالي، سواء في شقه السياسي أم الاقتصادي أم الاجتماعي ليس الوضع الأمثل حتى لا نقول أنه وضع سيء، فإذا كنا نجد للمشهد السياسي الحالي العديد من المبررات، لعل أهمها ما مقتضيات الانتقال من نظام مركزي مغلق إلى نظام منفتح على ممارسة ديمقراطية من وقت ومماحكات، فإن الوضع الاقتصادي وتداعياته الاجتماعية ليست على ما يرام، وقد زادتها أزمة الركود العالمي الذي أحدثه وباء كورونا سوءا…
لأجل ذلك، تبدو كل محاولة للتقويم المنصف من خلال المشهد القائم في تونس، مغامرة لا تخدم الحقيقة، وفي هذا يتساوى من يسلك طريق التبرير لجوانب القصور في هذه التجربة أو من يريد إعدامها عن جهل أو انتصارًا لحركة لم تعد خافية عن الإنظار عرفت بـ(الثورة المضادة).
لقد انطلقت عمليّة التغيير في أعقاب حادث (رمزي)، تمثّل في إقدام شاب على إحراق نفسه، وهو حادث (عابر) في سيرورة طويلة لو أنها لم تتوافق مع (حركيّة) مجتمع وصل إلى خط استحالة استمرار الأوضاع على ما هي عليه، ومن هنا تبدو مرافعة القائلين بنظرية المؤامرة سطحيّة وبليدة في فهم مشهد أعم وأعمق، وهو وصول النظم الحاكمة في الأقطار العربيّة إلى فقدان رصيدها المعنوي والأخلاقي في الاستمرار…
ومن ثمَّ، انبثقت فكرة تداعي (أحجار الدومنو) واتساع رقعة العدوى من تونس إلى أقطار أخرى، والسؤال الجوهري الذي يختلف الناس حول الاجابة عليه: هل هي محض مؤامرة مخطط لها من جهات خارجيّة؟ أم أنها حركة أصيلة لا صلة لها بالتدخل الدولي؟
وهنا أيضا، يجب ألا نركن للإجابات النمطيّة الجاهزة، وأن نفرّق بين مبررات التغيير ودواعي التغيير الداخلية، والرصد الدولي الذي لا يمكن ألا يستثمر في مسار يمر أمامه، ويعني قطاعات واسعة من سكان المعمورة، وتمتلك مؤهلات حضارية (مقلقة) كما وصفها هنتغتون في كتابه (صراع الحضارات)…
إن الأنظمة العربيّة التي تأسست في أعقاب ثورات التحرير الوطني، قد (شاخت) وفقدت القدرة على التجديد في عالم استقبل الألفية الثالثة من الميلاد وقد جرت فيه أحداث عظمى، إذ سقط المعسكر الشيوعي، واكتمل بناء الاتحاد الأوربي بدخول دول كانت (تغرّدُ) ضمن سرب المعسكر الشرقي، واستطاعت دول في آسيا وفي إفريقيا أن تدخل اصلاحات هيكلية عميقة على نظمها، وظن العرب أن شيئًا من المساحيق كافٍ لإعفائهم من دفع فاتورة التغيير.
وظن (رفاق) الأمس في بعض البلدان أنه باستطاعتهم أن يكونوا (رأسماليين) وديمقراطيين في الإعلام، وبيروقراطيين جامدين في الواقع، ونسوا أن السوس قد أكل العصا التي طالما اتكأوا عليها، فالقضية (المركزية) وهي تحرير الأرض العربيّة تآكلت على أكثر من مسار، ولم يعد ممكنا مقايضة (الحرية) بـ(الأمن) القومي، وقطار التنميّة متوقف لأن صياغة الإنسان المنتج تتطلب (رشاد) و(حوكمة) وبمعنى جامع (حرية وديمقراطيّة).
وضمن هذا المنظور العام يمكن فهم ما حدث في تونس وفي غيرها، وأن الأمر يتعلق بحركيّة مجتمعات عبر محور الزمن، وأن هذه الحركة لم تتم في الفضاء إنما كانت في واقع تحكمه قوى كبرى، لها رؤيتها في رصد ومتابعة وتوجيه الأحداث، وفق مصالحها هي ورؤيتها هي وإرادتها هي إن استطاعت ان تفرضها أو تعطّل ما يخالفها.
إن التجربة التونسيّة بلغت في بعض جوانبها خط (اللارجعة)، فالأمر يتعلق بضمائر وأنفس شهدت ميلاد قاموس جديد، وتطّلعت لمستقبل يخاصم الماضي القريب، وذلك لا يعني بطبيعة الحال ألا تظهر عقبات بل ربما بعض الانتكاسات في طريق تلك التطلعات، لكن القفز خلف المتاريس قد حدث فعلاً، ولنا في التجربة التركية التي استغرقت أكثر من ثلاثين عامًا من المد والجزر عبرة…
ولذلك فأيسر طرق التغيير كان ولا يزال، هو التغيير من الداخل والاصغاء لمنطق (حركيّة) المجتمع، والانتقال من منطق (التكتيك) المؤقت إلى الرؤية الاستشرافية (الاستراتيجية)، والذي لا يحسن التعامل مع منطق التاريخ، فإن التاريخ لا يترّجل ولا يقف، فهو مستمر في حركية لا تفتر.
لقد تغيّرت كثير من الأمور في أعماق تونس الخضراء، وذلك التغيير هو الذي تتفجر ينابيعه في المستقبل، لأن مرحلة دخول منطق العصر هي التي تؤهل الشعوب بعد ذلك للحضور في المشهد العام للعصر الذي تحيا فيه.

عن المحرر

شاهد أيضاً

في معنــــى النصــــر…

يكتبه د. محمّد قماري/ قرأت يوما في كتاب (البداية والنهاية)، وهو كتاب في التاريخ ألفه …