كلمة حق

ما هـــذا الـذي يحــــدث فــي أمريكـــا؟

أ د. عمار طالبي/

إن لهذه المحاكمة لرئيس أكبر دولة في العالم دلالة وفيها إشارة إلى علامات انقسام هذه الامبراطورية من داخلها، وتمزق علاقات هذا المجتمع الأمريكي، وبداية تزعزع تماسكه، فهذه عرقية بيضاء، وأخرى سوداء، وهذه هجرات من مختلف الأعراق، والديانات، والثقافات أخذت تتباين، وهذان الحزبان الكبيران أخذا في العداوة الظاهرة.
وأكبر دلالة وأدل إشارة إلى ذلك تصرّف هذا الرئيس الذي يملك عقلية غريبة، وتوق عجيب إلى الحكم والتسلط، وتهييج أنصاره، ودفعهم إلى السطو على مقرّ الكونجرس رمز الديمقراطية، وقوة الدولة، ونظامها، ورمز مؤسساتها المتناسقة، وأصبح هذا كله مهددا مزعزعا، مهددا لهذه الجماعات والميليشيات المسلحة الإرهابية، التي تأكل تماسك المجتمع وتمزقه من داخله، إنها جراثيم كجرثومة الكورينا «Carina» التي تهدد العالم اليوم، وتستأصل سكانه، وتأخذ في الانتشار لا يمنعها مانع، ولا يحدّها حد.
وإذا كان هذا الوباء قد استطاع العلماء أن يجدوا له دواء فهل لداء أمريكا من دواء؟
إننا نشاهد رجالا ونساء في مجلس النواب وكذلك في حزب الجمهوريين، لهم حكمة وغيْرة على حياتهم الديمقراطية، ولهم شجاعة نادرة على تشريح تصرّفات هذا الرئيس، والحكم عليها بالعجرفة والحمق، ودعوة أنصاره إلى العنف والهجوم على الكونجرس الذي يمثل الشعب الأمريكي باجمعه ورمزه الديمقراطي، ولاسيما تلك السيّدة الفحلة الجريئة التي أصرّت على محاكمة هذا الرئيس بكل شجاعة، فيا ليت للعرب والمسلمين مثل هذه المرأة التي لا تخاف لومة لائم، ولا بطش رئيس أحمق، لعل هذه السيدة وأمثالها من الرجال والنساء الذين سمعناهم يدافعون عن نظام دولتهم، بكل حكمة، وقوة، وصرامة، وبكل شجاعة، لعل هؤلاء ينقذون هذه الامبراطورية من بداية الانهيار والسقوط، ويجدّدون حيويتها، وعلاقاتها السلمية بالعالم، فتكفّ عن الحروب، وإشعال نارها، وتشجيع الصهاينة على المظالم، وقهر الفلسطينيين.
إن ترمب عزل الولايات المتحدة عن العالم، فكاد العالم تكون له قطيعة معها، فهذه الصين، وروسيا، وهيئات الأمم المتحدة، وأوربا وغيرها يعاديها هذا الرئيس بدعوى «أمريكا أولا».
ويبدو ذلك في فشل الولايات المتحدة في عدة مرات في هيئة الأمم المتحدة أن تمرّر قراراتها الظالمة.
وأصبحت الولايات المتحدة تحت تصرف الإسرائيليين يدفعونها لمحاربة إيران دفعا، وعقابها بسلسلة من العقوبات، بعد انسحابها من الاتفاق النووي بدون مبرر واضح، وقطع المعونات عن اللاجئين الفلسطينيين، ونقل سفارتها إلى القدس، وهبة الجولان السوري إلى الصهاينة، وهيئة أرض الأغوار، والسماح ببناء المستوطنات التي يتوسع في بنائها ذلك الأحمق الآخر الفاسد، ثم كان يعقد ندوات وحفلات صاخبة راقصة للاحتفال بتطبيع بعض العرب مع الصهاينة، ليصبحوا أذنابا أذلة تابعين، مستسلمين مجانا.
وكان يظن أن هذا كله يشفع له عند شعبه، ويهيئ له نجاحا باهرا في الانتخابات، ولكنه فشل وخاب سعيه، وهاج هيجانا ظن أنه يبطل به الانتخابات، ورماها بالتزييف، بدون حجة ولا دليل، وقدم ما لا يحصى من القضايا لدى المحاكم وخاب فيها جميعا، ولكنه بقي مصرّا على ادعاءاته، وأكاذيبه، وأدى به ذلك إلى أن يحاكمه الديمقراطيون والجمهوريون أيضا في مجلس النواب، وصوتوا لفائدة عزله، وحوّل ذلك إلى مجلس الشيوخ ليصدر حكمه النهائي، فيا لها من خيبة، ويا لها من محاكمة أول مرة لرئيس من رؤساء الولايات المتحدة.
ولعل هذا دفاع ذاتي من داخل هذه الإمبراطورية كي لا تنحو منحى الانهيار والتمزق، كما أخذ يبدو في هذه الظواهر الجديدة في هيكل حياة هذه الإمبراطورية التي أخذت تتزعزع!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com