الرئيسية | اتجاهات | أمــــــــريكا تنهــــار؟

أمــــــــريكا تنهــــار؟

عبد العزيز كحيل/

لا شيء يجعل المتابع للأحداث السياسية يتيه ويضل الطريق كوقوعه تحت تأثير العواطف في مواطن ينبغي فيها تحكيم العقل، والمسلم أكثر من غيره حرصا على تناول القضايا العويصة ببرودة أعصاب وفق حقائق الواقع والأرقام والإحصائيات والبيانات الجادة، فإذا احتكم إلى ما يتمنى بدل الاحتكام إلى ما يرى ويلمس وقع في الأخطاء الفادحة وازداد ارتكاسا في وضعه المتخلف، مصداق هذه المقدمة في أحداث واشنطن الأخيرة التي جعلت بعض السياسيين والإعلاميين والمتابعين يختصرون المسألة في نهاية أمريكا الوشيكة، فرحوا بذلك وانتشوا بشكل عجيب رغم أن جميع الدلائل تؤكد عكس ما ذهبوا إليه، لماذا؟ لأنهم وقعوا تحت تأثير ما يتمنون فأغفلوا ما يرون.
إن ما حدث في واشنطن لا يدل على نهاية أمريكا بل يؤكد متانة نظامها، لن تنهار الولايات المتحدة الأمريكية الآن ولا غدا لأنها دولة مؤسسات يحكمها القانون، يحدث من الشغب ما يحدث، قد ينحرف الرئيس، لكن مصيرها لا يرتبط برئيس ملهم ولا زعيم عبقري ولا حاكم يعبده الناس، إنها دولة تسيّرها مؤسسات قوية ساهم الشعب في تشييدها بحرية ومسؤولية، ويحرسها هذا الشعب لأنها في خدمته وليس هو في خدمتها كما هو الحال في البلاد المتخلفة وعلى رأسها الدول العربية…نعم، أمريكا متجبرة طاغية لكن على الضعفاء، فهل نلوم القوي على قوته أم الضعيف على ضعفه؟ هي دولة متجبرة على الدويلات الهزيلة نعم، لكن هذا لا يكفي لتنهار، ولماذا تنهار الآن؟ بسبب كمشة من المتطرفين اقتحموا مقر البرلمان؟ هذا يجعل أمريكا تنهار؟ رغم أنها سابقة فريدة لكنها مجرد حدث عابر هو أقرب إلى اللاحدث، ودليل ذلك أن البرلمان استمر في أشغاله وأثبت انتخاب بايدن، وبدأت التحريات المعتادة لمتابعة المقتحمين، فلماذ يتسبب هذا الحدث في انهيار أمريكا؟ حدث ما هو أخطر من هذا ألف مرة في فرنسا سنة 1968 ولم يصب فرنسا بالانهيار، كان ذلك أزمة حضارة كما سماه أندري مالرو، نعم لكن تمّ احتواؤه بفضل المؤسسات الراسخة في الدولة والقوانين التي لا تتعطل بسبب هذا الطرف أو لإرضاء الطرف الآخر، بينما تتوقف المؤسسات ويجمد القانون في الدول المتخلفة بسبب مرور الموقف الملكي أو الرئاسي أو لإرضاء زوجة الحاكم المفدى !!
إن امريكا – ومعها الدول الغربية القوية – تنتمي إلى حضارة لن تزول حتى يجد لها خصومها البديل، نحن خصومها فهل نملك بديلا لها؟ لا أتكلم عن بطون الكتب بل عن واقعنا… فكيف لعاقل أن يستسلم للأوهام تسيّره ولأحلام اليقظة تعصف به؟ من الأفضل أن يتألم وهو مستيقظ على أن يسوّقوا له الأماني وهو في سبات عميق.
المشكلة فينا نحن لا في أمريكا أو غيرها، عندما تمسكنا بديننا كنا نتحكم في الدنيا بعدل الإسلام فلمّا غيّرنا تغيّرنا، وبدل أن نقوم صرنا نتلذذ بمشكلات أمريكا و ننتظر سقوطها هي والغرب لنحلّ محلّها بينما نحن نعيش على منتجاتها المادية والخدمية، ولا نملك إلى الآن مقومات التمكين…القرآن والسنة؟ نعم، لكنهما لا يعملان بطريقة سحرية، النصوص كأنها مادة خام تحتاج إلى العمل الجاد المتقن لتحويلها إلى أدوات لتغيير وإلى تحف فنية تبهر العقول، نصوص الوحي موجودة لكن المشكلة تكمن في تحويلها إلى برامج عملية تحدث النقلة البعيدة كما حدث للعرب وغيرهم من الشعوب في عهد الإسلام الزاهر، تلك النقلة البعيدة التي جعلت – مثلا – من البحر الأبيض المتوسط بحرا إسلاميا تحت سيطرة البحرية الجزائرية، تدفع لها السفن الأمريكية الاتاوات لتمرّ وترسو، الآن فينا من يتنكر لهذا الماضي ويريد قطعنا عنه وإبعادنا عن الإسلام والعربية لنكون نسخا ممسوخة تابعة للفكر الغربي والتجربة اللادينية إذاً – مرة أخرى – المشكلة فينا وليست في أمريكا، أمريكا ستتعافى مهما كان طيش بعض الطائشين وسنبقى نحن نتفرج ونترقب سقوطها كأن لنا فائدة في ذلك…كل هذا يذكرني بحديث المستورد القرشي الذي رواه مسلم «تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال له عمرو بن العاص: أبصير ما تقول؟ قال: أقول ما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك»…المقصود بالروم الغربيون…ألستم ترون كيف جسدوا هذه الخصال، وهي التي تمنعهم من السقوط إلى حين؟ أما نحن – وحالنا هذه – فكأننا «العائل المستكبر» أو الفقير المتكبر الذي ورد ذكره في الحديث النبوي…فقير ومتكبر.
إذا أردنا خلافة الأرض وإقامة الحضارة الربانية بدل الحضارة الغربية فعلينا بالعمل على استحقاق ذلك لا انتظار انهيار هذه الدولة أو تلك.

عن المحرر

شاهد أيضاً

استمتعــــــوا بالحيــــاة

عبد العزيز كحيل/ من عادة الخطاب الديني تسليط الأضواء على الدنيا المذمومة والتنفير منها والتركيز …