ملف

موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من القضية الفلسطينية بعد 14 ماي 1948م

قال الأستاذ أحمد توفيق المدني: «لم تصبح القضية خلال 1948مـ قضية نظرية، بل دخلت دورا عمليا رهيبا فظيعا.. لازال يدعو كلّ يوم بل كلّ ساعة إلى تغيير المنكر باليد، لا بالقلب، ولا باللّسان، ولا يزال يهيب بكلّ مسلم على وجه الارض إلى ساح الجهاد وميدان الاستشهاد»، فماذا قدّمت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين للقضية الفلسطينية بالموازاة مع هذه الظروف، وفي ظلّ هذه المرحلة الحرجة التي اندلعت فيها ثورة نوفمبر المباركة؟.
2.1. دعوة جمعية العلماء إلى الجهاد في فلسطين:
في أوّل عددٍ من جريدة البصائر، الصادر بعد الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني، دعَـتْ بعضُ أقلامِ الجريدة الشبابَ المسلم إلى تلبية نداء الجهاد في فلسطين، حيثٌ عُـنْوِنَ ركنٌ من أركان الجريدة المذكورة بــ «صوت الجهاد»، ونٌشرت فيه قصيدتان؛ الأولى للشاعر الرّبيع بوشامة، بعنوان: ‘’فتى العُرْب هيّا فلبّ النداء’’، وممّا ورد فيها:
فلسطين أرض الهدى والميعادتنادي الجهاد الجهاد الجهاد
فتى العُرب هيّا فلبّ النداءولاقِ المنايا بساح الفداء
ونكّل بصهيون شرّ العبيدوأطعمه نارا وسم الحديد
ووفّ بكلّ القوى والجهودلدين الرّسول وعهد الجدود
فأرواحهم في سماء الخلودتنادي الجهاد الجهاد الجهاد
فذكّر الشاعر بالجانب العقدي لفلسطين، ثمّ دعا فــتيانَ العروبة لتلبية نداء الجهاد، والتنكيل بشذّاذ الآفاق، وشرّ المخلوقات على وجه البسيطة؛ من بني صهيون، وفاءً للإسلام، ورسول الإسلام، ثمّ وفاء لعهد سلفنا الصّالح، الذين لم يهنوا في حماية الأراضي المباركة، والذّودِ عنها بأرواحهم الخالدة.
وأمّا القصيدة الثانية؛ للأديب موسى الأحمدي نويوات، بعنوان: “فلسطين نادتكم للجهاد”؛ وممّا ورد فيها:
فلسطين نادتكم للجهادفلبّوا النّداء يا حماة البلاد
ومدّوا النّفوس إليها فدىفتلكم -بني العرب- أرض المعاد
وتلك التي من ذراها سرى إلى سدرة المنتهى خير هاد
أتطمع صهيون في إرثناوجند العروبة شاكي العتاد
حرام فلسطين -جزما- علىأبالسة هم بذور فساد
وهنا دعا الأحمدي حماة البلاد وحرّاس العقيدة؛ من الشباب إلى بذل النفس، فِداءً لأرض المعاد، التي أُسري بالرّسول-صلّى الله وسلّم عليه- إليها، ثمّ عرج منها إلى سدرة المنتهى، فلابد لـجُــند العروبة أن يٌعدّ ويستعدّ لطرد أبالسة الفساد ولا يسمح لبني صهيون أن يرثوا الميراث المقدّس.
ونفس الفكرة تبنّاها الشيخ الإبراهيمي عندما تطرّق إلى كيفية نصرة فلسطين، وطريقة استرجاع الديار المسلوبة، والحقوق المنهوبة، والارض المغصوبة؛ فقال:-رحمه الله-: «.. وليستْ تُــــنال بالشّعريات والخطابيات، وإنّما تنال بالتصميم والحزم والإتحاد والقوّة، إنّ الصهيونية وأنصارها مصمّمون، فقابلوا التصميم بتصميم أقوى منه، وقابلوا الإتّحاد باتّحاد أمتن منه»، وهو الذي تبرّع بمكتبته -رحمه الله- لفائدة الجهاد في فلسطين، واستثنى منها مصحفا فقط للتلاوة، والصّحيحين للمدارسة*، و حتى المرأة الجزائرية المسلمة سجّلت مساهمتها تلبيةً لتوجيهات جمعية العلماء؛ ففي يوم الجمعة 28 ماي 1948مـ، بمدرسة الفلاح وبمناسبة انعقاد مؤتمر شُعَب جمعية العلماء، وإثر صلاة الجمعة، «تقدّمت امرأة مؤمنة قانتة إلى الأَمام، وهي من حاضرات الجمعة وسامعات الخطب، فوهبت حُلـيّـها وهو «سوار ذهبي»، ذو قيمة باهضة، فرمت به قنبلة في صميم أعداء العروبة والإسلام بفلسطين الشهيدة، وكانت هذه المجاهدة الكريمة السابقة للقصبة بهذه البلاد».
وبعد النكبة بشهر (14 جوان 1948مـ)، صدر مقال للأستاذ عبد الرحمان شيبان بجريدة البصائر، في عددها التاسع والثلاثين، تطرّق فيه إلى أسباب إهمال فريضة الجهاد، وكيفية النهوض بهذه الشعيرة، ولابد من الاجتهاد الذي يقوم على الحرية، التي لا يجلبها إلا الجهاد، فالأمة الإسلامية أحوج إلى الجهاد في هذا العصر من غيره؛ قال رحمه الله: «أفلم يحثّ الإسلام على الجهاد بكلّ وسائل الترغيب فيه، والتنفير من تركه»، وذكّر بالآية الكريمة {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، ثمّ بحديث الرّسول عليه الصلاة والسلام {«يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلةُ إلى قصعتها» فقال قائل: «ومن قلّة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وسينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن»، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: «حبّ الدنيا وكراهية الموت»}، «فقد أمر-الإسلام- بالجهاد بعد إعداد عُدّته».
ولعلّ ما ميّز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين؛ وهي تحثُّ الشعوبَ المسلمة على فريضة الجهاد، أنّها كانت تذكّرهم بمكانة أولى القبلتين وثالث الحرمين في الإسلام، ثمّ تربط بين تلك المكانة وقدسيتها من خلال الاستدلال بسيرة الانبياء وأتباعهم، حيث بذل الرّعيلُ الأوّل من المسلمين للحفاظ على مسرى النّبي -صلى الله عليه وسلّم- النّفس والنّفيس، نسجّل ذلك في عدّة مقالات؛ منها منشور بجريدة البصائر لمصطفى بن سعد الجيجلي، الذي دعا الشباب لترك الكسل، وطرح النزعات الحزبية، لأجل تلبية نداء الجهاد، بغية تطهير الأراضي المسلمة من دنس الصهيونية، ثمّ طَعّم ذلك النداء بسرد علاقة النبي عليه الصلاة والسلام مع يهود بني النضير، ومصير عنادهم لموسى عليه السلام، كما وجّه دعوةً لأغنياء المسلمين للتبرّع والتصدق بالمال لفائدة الجهاد في فلسطين، مُذكّرا إياهم بعطاء الصحابة كعثمان رضي الله عنه، في غزوة تبوك، ثمّ ختم مقاله بفضل درجة الجهاد بالنفس والمال.
وبالرّغم من أنّ فرنسا كانت جدارا عازلا بين الجزائريين وقضيتهم المحورية، وبذلت جهدها في عزلهم عن العالم العربي الإسلامي، إلا أنّهم استطاعوا أن يتحمّلوا أوضاعهم القاسية، ويتمكنوا من متابعة الأوضاع العربية في فلسطين عن طريق ما كان يتسرّب إليهم من تونس والمغرب وليبيا، فتأثّروا بمأساة إخوانهم في فلسطين، وعبّروا عن ذلك بعدّة وسائل.. منها التطوّع للجهاد إلى جانب الفلسطنيين، وقد اقتـــــــدوا في ذلك بموقــــــــف الحركــــــــة الوطنية خاصّة منها جمعية العلماء المسلمين، ويذكر الدكتور يوسف مناصرية أنّ صحيفـــة
«Alger Republicain نشرت مقالا بعنوان: ‘نحن وفلسطين، في عددها الأول الصادر في جويلية 1948م، جاء فيه أنّ الشيخ الطيب العقبي «تحدّث عن المتطوّعين الجزائريين، وهو أوّلهم للالتحاق بصفوف المجاهدين الفلسطنيين وعلّقت التقاريرُ الفرنسية على ذلك ونسبت فكرة التطوع إلى طلاقة لسان العقبي وفصاحته، وتساءلت كيف سيتوجّه المتطوّعون الجزائريون إلى فلسطين».
وما كانت دعوة العقبي وصحبِه لتذهب سُدىً، حيث انظمّ الكثير من الجزائريين منهم الطلبة والتّجار سنة 1948م، إلى دعوات الجهاد ضدّ الصهيونية في فلسطين، التي ترأسها الشيخ الصادق بسيس*.. فقاد حملة التطوّع عبر القطر التونسي، خاصة في منطقة الجريد التي كان يتردّد عليها الطلبة الجزائريون، وذكرت المصادر أنّ ألف متطوع مرّوا خُفية من القطر التونسي إلى فلسطين، بعد تلقّيهم مساعدات في ليبيا ومصر وتدريبهم في «مرسى مطروح».
2.2. تأسيس الهيئة العليا لإعانة فلسطين:
يدخل تأسيس هذه الهيئة ضمن مساهمة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وجهودها في خدمة القضية الفلسطينية، سواء من الناحية السياسية، أو المادية؛ فبعد الإعلان عن قيام دولة الكيان الصهيوني بأيام، قامت جمعية العلماء بتأسيس الهيئة العليا لإعانة فلسطين، حيث أفصح عن ذلك رئيس مؤتمر شُعَب جمعية العلماء العمالي بوهران الشيخ محمد خير الدين يوم 28 ماي 1948مـ؛ وفي هذا الصّدد يقول الأستاذ فرحات العابد: «ثمّ أخـــبـــر-محمد خيرالدين- بتأسيس هيئة جزائرية لإعانة فلسطين، فتهلّـلت الوجوه بالبِشر وانفرجت الشفاه عن سِـمة الغِــبطة والسرور.. »، وبعد ذلك بأيّام صدر نداءٌ وتحذيرٌ للشعب الجزائري العربي المسلم، أمضاهُ كلّ من: ‘’البشير الإبراهيمي، إبراهيم بيّوض، عباس فرحات، الطيب العقبي’’، يحذّرون الشعب من مكر وكيد الاستدمار الفرنسي، وأن لا يكون الغضبُ لفلسطين، سببا للفوضى بل لابدّ أن يكون العمل منظمّا، «واعملوا من الصالحات لكم، ومن النّافعات لفلسطين..»، وفي يوم 28 جوان 1948مـ، نشرت جريدة البصائرمقالا، يعلن صاحبهُ عن عملٍ رسميٍّ يجمع جهود الجزائريين في خدمة القضية الفلسطينية، وهو تأسيس الهيئة العليا لإعانة فلسطين.
أ- أسباب تأسيس الهيئة العليا لإعانة فلسطين:
– أهمّ أسباب تأسيس هذه الهيئة ذكرها الشيخ البشير الإبراهيمي في قوله: «إعانة فلسطين فريضة مؤكّدة على كلّ عربي، وعلى كلّ مسلمٍ، فمن قام به أدّى ما عليه من حق لعروبته ولإسلامه، ومن لم يؤدّه فهو دَين في ذمّته لا يبرأ منه إلا بأدائه».
– يعتبر تأسيس هذه الهيئة امتدادا لنشاط لجنة إغاثة فلسطين التي أسّستها جمعية العلماء مبكّرا ‘’شهر أوت 1937م’’، وبعد إحدى عشر سنة أٌسّست الهيئة المذكورة، في ظلّ تطوّر القضية الفلسطينية، والمستجدّات التي أفرزتها الساحة الدّولية، ولعلّ تغيير التسمية يعود إلى عكس روح الإتحاد مع بقية الشعوب العربية المسلمة التي تمثّلها الجامعة العربية آنذاك، والتي قرّرت تشكيل لجنة سنة 1946مـ، تحت رئاسة الحاج أمين الحسيني أطلقت عليها اسم: ’’الهيئة العربية العليا لفلسطين’’، فنلاحظ أنّ هناك تناغما ومحاكاة في التسمية؛ وكأنّ ‘’الهيئة العليا لإعانة فلسطين’’ التي أسّسها رجال جمعية العلماء على مستوى القطر الجزائري فرعٌ عن «الهيئة العربية العليا لفلسطين» التابعة للجامعة العربية.
– توحيد مساهمات الشعب الجزائري في القضية الفلسطينية، تحت هيئة واحدةٍ رسمية، لأجل امتصاص، ثمّ ترشيد ردود الفعل العشوائية.
-توحيد جهود مختلف الاتّجاهات الوطنية والدّينية، من اصلاحيين.
ب- الـمؤسّسون:
العقل المدبّر لتأسيس هذه الهيئة وأصحاب الفكرة هم رجال جمعية العلماء وعلى رأسهم الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي، الشيخ الطيب العقبي، الأستاذ توفيق المدني الذي يقول: «جمعتُ رجال الجزائر المعدودين في نادي الترقي سنة1948مـ، وقلت لهم متمثّلا ببيت فؤاد الخطيب: فيم الجمود وجرعاء الديار دم؟، وما هي إلا مباحثات قليلة في كلماتها، قوية في معانيها، ومدلولها، حتى أنجزنا تأسيس جمعية إعانة فلسطين»، وكان ذلك بحضور فرحات عباس زعيم البيانيين، والحاج مصالي زعيم الانتصاريين، ومصطفى القاسمي ممثلا عن الزوايا، فبقي الأوّل مساندا لعلماء الجمعية، وانسحب الثاني والثالث، والآتي ذكرهم هم المكتب النهائي للهيئة العليا لإعانة فلسطين:
محمد البشير الإبراهيمي : رئيسا
فرحات عباس : كاتب عام
الطيب العقبي : أمين المال
إبراهيم بيّوض : نائبه
ج- أهمّ أعمالها:
رغم القيود التي فرضتها فرنسا الاستدمارية، إلا أنّ هذه الهيئة بذلت كلّ ما في وسعها، ولم تدخّر جهدا لأجل فلسطين، «وإذا تأخرت الأمّة الجزائرية عن إعانة فلسطين، بالممكن الميسور فعذرها أنّها كانت منهمكة في المطالبة بحقّها في الحياة، وكانت من أجل ذلك في صراع مع الاستعمار»، ولذلك تراجع عملها مع بداية ثورة نوفمبر المجيدة، لكن جريدة البصائر الغرّاء لسان حال جمعية العلماء، واصلت دفاعها عن فلسطين من خلال المقال الأسبوعي «منبر السياسة العالمية»، «لأبي محمّد»*، إلى أنّ تم توقيف إصدارها من طرف السلطات الفرنسية سنة 1956، ومن الأعمال التي قامت بها الهيئة العليا ما يلي:
-تأليف لجنة تنفيذية بالعاصمة، من رجال العلم والثقافة، ورجال الأعمال والاقتصاد، وشباب العمل .
– إرسال برقية تأييد لسعادة عبد الرحمان عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية، وبرقيات احتجاج واستنكار للحكومات المسؤولة، وللسّيدين رئيس الحكومة ووزير الخارجية الفرنسيين، ثمّ إلى هيئة الأمم المتحدة.
-طبع الوصولات وإمضاؤها باسم أمين الهيئة الشيخ الطيب العقبي، ثمّ توزيعها على بقية اللجان الفرعية على مستوى الوطن لجمع المال، يقول الشيخ الإبراهيمي: «فاجتمع لدينا من هِبات المحسنين عدّة ملايين من الفرنكات أبلغناها إلى مأمنها في فلسطين، واستلمنا الشهادة القاطعة على وصولها، ورفعنا رأس الجزائر، ومحونا عنها بعض التقصير، ومازلنا جادّين في عملنا».
– أرسلت الهيئة برقيات إلى الجرائد المغربية، والتونسية، والتي منها «جريدة الزهرة» يوم 20 جوان 1948مـ، لتعلن عن تضامن الجزائر العربية المسلمة، مع رئيس جمعية العمل من أجل إنقاذ فلسطين، المجاهد الإسلامي الكبير «الشيخ الصادق بسيس» من جهة، ومع القضية الفلسطينية من جهة ثانية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com