ليتفكروا

الإســــــــــــلام والعقـــــلانية

د. بدران بن الحسن */

في مقالنا السابق ذكرنا أن الرؤية التي توجه العلم الحديث هي العلموية، وهي أيديولوجيا مادية وضعية تدعي العلمية، ولكن ليس بالضرورة أنها علمية، ففيها من الدعاوى الفلسفية والقيمية الكثير. ولذلك فإن المثقف المسلم يجد نفسه في موقع نقدي لها، في الوقت الذي يسعى للاستفادة من العلم وتبيئته فإنه يواجه الخلفيات الفلسفية والمقولات الأيديولوجية للعلم الحديث بما يخالف المنطق العلمي وحقيقة العلم موضوعا ومنهجا.
وقد تبنى العلم الحديث مقولة العقلانية، وحملها شعارا، إلى جانب التجريبية (الأمبريقية)، وكأن الإنسان كما يقول هيجل «استعاد ثقته بنفسه وفكره بما هو فكره هو ودركه، كما استعاد الثقة في الطبيعة الحسية الخارجية عنه وفي نفسه، ووجد الأهمية كلها والمتعة في اكتشاف الفنون والطبيعة، بإرادته وقدرته على إنجاز مراداته، كما أصبح هو يجد غاية المتعة في أرضه وتربته وانشغالاته، وذلك لأنها كانت تشهد على حضور الحق والفهم فيها» (محمد الشيخ، 2007، ص71). وفي سياق هذا التصور، صار العالم الحديث بطبيعته عالما غير ديني، لأن الفكر الديني -المسيحي طبعا- كان لا يتيح للإنسان ذلك.
ولكن بمنطق المركزية الغربية التي ترى أن الحضارة الغربية مركز العالم، فإن الموقف من التاريخ الديني المسيحي يجب تعميمه على بقية الأديان، دون حاجة إلى فرق في مفهوم الدين ذاته، ولا الفرق بين التجربة الدينية المسيحية والتجربة الدينية للحضارات الأخرى، ولا موقف الدين من العقل والعلم في سياقات حضارية أخرى، بمنطق إمبريالي يعمم الخاص الغربي على العالم دون حرج، وهذا ما جعلنا نسميها برؤية علموية لا علمية.
وفي هذا السياق أيضا، انبرى بعض فلاسفة الغرب على وسم الإسلام بأنه دين غير عقلاني، معتمدين في ذلك على إرث الحروب الصليبية من جهة، وعلى مقولات الاستشراق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من جهة ثانية، وعلى عقدة التفوق الغربية من جهة ثالثة، وعلى أيديولوجيا الفتح العلموي التي ظهرت في أوروبا وحولت العلم من منهج للبحث عن الحقيقة وبناء المعرفة إلى أيديولوجيا استبدادية لأي حضور ديني، وإقصائية لأي بعد ميتافيزيقي/غيبي من جهة رابعة، وعلى آليات تفكيك الثوابت التي اعتمدها التوسع الاستعماري الأوروبي الحديث لكسر جدر الحماية الروحية والمادية للعالم الإسلامي من جهة خامسة.
ولهذا نجد أرنست رينان مثلا، وهو فيلسوف ومستشرق فرنسي يقوم بحملة كبيرة على الإسلام متهما إياه بأنه دين غير عقلاني. ففي محاضرة في جامعة السوربون عام 1883 ونشرت في كتاب بعنوان الإسلام والعلم (L’Islam et la science) اتهم رينان الإسلام بأنه بطبيعته غير عقلاني، وغير متسامح، وغير قادر بشكل أساسي على إنتاج العلم والفلسفة. وأن الإسلام منع تطور العلم والتفكير الحر المستقل عن كل المفاهيم الميتافيزيقية والدينية. ولم يكن الهجوم العنصري لرينان دعوة لإجراء حوار حول الدين والعلم أو حول الإسلام وأوروبا، بل كان حكمًا استعلائيا غير مبني على حقائق التاريخ ولا على نصوص الإسلام المرجعية (الكتاب والسنة)، مما ولد ردود فعل كثير من علماء المسلمين في وقته، ولعل من بينهم جمال الدين الأفغاني، ونامق كمال التركي. مع العلم أن نص رينان كان يفيض حقدا على العرب بخاصة، وتحيزا ضدهم، ذلك أنه رأى أن العقل العربي غير قادر على التفلسف خلاف العقل الإسرائيلي، مع أن رينان نفسه يعلم أن العقل الإسرائيلي الذي أشار إليه كان عالة على عقل ابن رشد والكندي وابن خلدون وابن حزم وغيرهم. ولكن خطاب العقلانية الغربي برغم شعار العقلانية الحالم، كان خطابا لا علاقة له بالعقلانية لا في دلالتها العربية الإسلامية ولا في دلالتها الحداثية، بقدر ما كان خطابا أيديولوجيا يعلن الانتصار النهائي للمركزية الأوروبية ونظرتها العلموية الجديدة إلى العالم الإسلامي وبقية العالم.
إن إشارتنا لهيجل ورينان أعلاه في سياق تبشيرهما بالعقلانية، وتجاوز الموروث الديني، يجعلنا نتساءل عن مضمون العقلانية التي يدعو إليها الغرب الحديث، كما يدعونا للتساؤل عن الأسس التي بنى عليها كلاهما موقفهما من الإسلام ومن العلم؟!
ذلك أن هيجل نفسه حينما جاء إلى الإسلام في كتابه «فلسفة التاريخ» رأى في البداية أن الإسلام يمثل أعلى مستويات الروح الكلي، ومستويات المطلق في رؤيته التوحيدية، ولكن هيجل نفسه لم يكن وفيا لمنطقه الجدلي المثالي، ولسعي الروح نحو المطلق، ولم يكن وفيا لتفسيره المثالي للتاريخ في موضعة الإسلام في حركة التاريخ، فرأى أن المسيحية هي التي تمثل ذلك. ولا يمكن تفسير ما ذهب إليه إلا بعقدة الاستعلاء الغربي غير العقلانية وهي تدعيها.
أما أرنست رنان، فإن اتهامه الإسلام بعدم العقلانية، لا يعدو أن يكون مقولة نابعة من الشعور بعقدة الصراع مع الإسلام؛ تلك العقدة التي تتملك المثقف الغربي عموما والفرنسي بوجه خاص في تعاطيه مع الإسلام والحضارة الإسلامية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن ذلك الحكم الذي أصدره يمكن أن يكون صحيحا لو أنه بناه على معطيات حقيقية؛ ولو رجع فيه إلى شهادة التاريخ الحضاري للمسلمين أو رجع فيه إلى النص الديني للإسلام. وبالطبع، فإنه لن يرجع إلى شهادتي التاريخ والنص، لأن كليهما يفندان دعوى عدم عقلانية الإسلام، كما يفندان مقولات العقلانية بنسختها العلموية، لأنها عقلانية أيديولوجية وليست عقلانية خاضعة لمقولات العقل؛ سواء أكان عقلا مجردا أم عقلا مسددا أم عقلا مؤيدا حسب الصياغات المفهومية التي أبدعها الدكتور طه عبد الرحمن.
*مركز ابن خلدون للعلوم الاجتماعية والإنسانية/ جامعة قطر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com