الرئيسية | اتجاهات | إســـــلام جميل بــــلا مساحيــــق

إســـــلام جميل بــــلا مساحيــــق

عبد العزيز كحيل/

ذكر أحد الإخوة أنه صلى المغرب في مسجد بجمهوية البوسنة وهمّ بالخروج، فإذا بالأطفال الذين كانوا يصلون ينشطون عقب الصلاة والأذكار ويحوّلون القاعة الأمامية للمسجد إلى ساحة لعب، حيث أحضروا المعدات للعب تنس الطاولة، جهزوها وأمسكوا المضارب، وتحولت الصالة إلى كرنفال بهجة وسرور، وإمام المسجد يلعب معهم.
وقف الأخ متعجبا فلاحظ الإمام ذلك فاقترب منه وقال له: «أعتقد أن بلادكم العربية لو رأى المسئولون في مساجدها ما نفعل في مساجدنا لبدعونا وفسقونا»، ففهم صاحبنا المقصود وقال للإمام ما الشيء الذي تهدفون إلى الوصول إليه من أساليب هذه التربية؟ فقال: نريد قتل النفاق، فالطفل عندكم يلتحق بكتاتيب تحفيظ القرآن الكريم فيعيش في بيئة إيمانية، ثم يخرج إلى الشارع يريد أن يشبع رغباته كطفل، يحب اللعب، اللهو، الأصدقاء، فيشبعها في بيئة غير منضبطة حيث الشتائم والألفاظ والمعارك، ولابد أن يتأقلم معهم في هذه البيئة حتى يستطيع أن يشبع رغباته من خلالهم، فإن عاد إلى الكُتاب التزم سلوك التدين وسلوك الطفل المتأدب بآداب القرآن كما هو مطلوب منه، فيعيش حالة من التقلب تؤدي به إلى طريق النفاق، هل عرفت الآن لماذا نربي أولادنا في المسجد، نحفّظ ونلعب ندرس ونلهو؟ ثم قال: نزل الإسلام ببلادكم، بلاد العرب وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل من المسجد حياة كاملة، بل حياته كانت كلها نسقا متكاملا حتى أنه كان يسابق عائشة رضي الله عنها، وأنتم أخذتم من الإسلام جسده وتركتم روحه.
هذا المشهد ذكّر أخانا العربي قصة المرأة التى بعثت بابنها صاحب الأربعة عشرة عاما إلى أحد المراكز الإسلامية بأوروبا لكي يُسلم، وسأله الإمام عمّن أتى به إلى هنا فأجاب أنها والدته وهي تقف خارج المركز، لم تدخل معه لأنها غير مسلمة، تعجب الإمام وطلب منه أن يستأذن أمه لتدخل، دخلت فسألها الإمام أنت لست مسلمة كما أخبرني ابنك، إذن لماذا تطلبين منه أن يسلم؟ امتلأت عيون الأم بالدموع وقالت: لي جارة مسلمة، ولها طفل في عمر ابني، ما دخل البيت ولا خرج إلا قبّل يدها وسلم عليها فتمنيت أن يكون ابني مثله.
هذا هو الإسلام الجميل الذي لا يحتاج إلى مساحيق ولا روتوشات، بل يدخل القلوب بغير استئذان، كم نحن بحاجة إلى تنمية الجانب الإنساني الذي ضمر فينا منذ مدة حتى اقتصرت علاقة كثير من المسلمين بالدين على أداء العبادات مع إهمال واضح لروح الإسلام ومقاصده وجانبه الإنساني المشرق رغم توافر دلائله بكثرة في ثنايا آيات القرآن والأحاديث النبوية، إذا كان شطر الدين علاقة الناس بربهم بأداء ما افترض من عبادات فإن الشق الثاني الذي لا يكتمل التديّن إلا به هو علاقتهم بالناس من خلال المعاملة الكريمة التي تشعّ إنسانية كالمحبة واللين والتسامح والعفو والبشاشة ومراعاة شعور الناس وتنمية العواطف وتفهّم حاجاتهم إلى الترويح عن النفس والاستمتاع بالطيبات… قبل أن نكون مسلمين نحن بشر، وإهمال هذا الجانب يؤدي إلى نفس العواقب الوخيمة التي يؤدي إليها إهمال الجانب التعبدي، يتكلمون عن روح الإسلام، وهناك من يقدم هذا على ما يسميه جسد الإسلام، والحقيقة هي ألاّ غنى لنا عن الجانبيْن أو البُعديْن معا لأن حصر التديّن في العبادات والأشكال والصور وحدها يصيب المعادلة بالخلل تماما كما تُصاب عند التفريط في العبادات والاكتفاء بالجانب الإنساني، فالإنسان جسد وروح والإسلام كذلك، ولعلّ الخلل فكري بالدرجة الأولى ويتمثل في الفهم القاصر والضيّق للتديّن عند اعتباره انقطاعا عن الصفات البشرية وسموّا ملائكيا، ونحن لسنا مطالبين بهذا شرعا لأن نفخة الروح وحدها لا تقيم إنسانا إلا إذا نزلت على التراب أو النطفة، والتغاضي عن هذه الحقيقة باسم التديّن يؤدي حتما إلى حياة النفاق التي أشار إليها الإمام البوسني، الرؤية الأصيلة للإسلام تقتضي تنشئة جيل يحب الحياة، يعيش في سبيل الله، أي وفق أحكام الشرع وضوابطه، ويأخذ نصيبه من طيبات الحياة المادية والنفسية، يمارس الرياضة وما يناسبه من هوايات، يسيح في أرض الله، يلج عالم السينما والمسرح…كفانا تديّنا يقتصر على إصلاح الظاهر فيقود ذلك صاحبه إلى حياة أقرب إلى النفاق، كفانا مثالية حالمة، فالإسلام دين واقعي يجمع بين الربانية والإنسانية ولا يعد الناس بجنة الآخرة فحسب بل يأخذ بأيدهم إلى جنة الدنيا كذلك… وكفانا عبوسا وخشونة وغلظة باسم الدين، فهذا إساءة للدين.
الإسلام جميل بحدّ ذاته، إنما يفسده التكلف والتنطع والغلوّ، ولا يناسبه شيء مثل ما تناسبه البساطة والسماحة والعفوية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

استمتعــــــوا بالحيــــاة

عبد العزيز كحيل/ من عادة الخطاب الديني تسليط الأضواء على الدنيا المذمومة والتنفير منها والتركيز …