الرئيسية | وراء الأحداث | هل ستكون قضية الحركى عائقا لتسوية ملف الذاكرة؟

هل ستكون قضية الحركى عائقا لتسوية ملف الذاكرة؟

أ. عبد الحميد عبدوس/

من المتوقع أن يعود ملف الحركى إلى ساحة التداول الإعلامي والجدل السياسي مع مطلع عام 2021 ، فقد تلقى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون يوم 18 ديسمبر 2020 مكالمة هاتفية من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون أكد له فيها: «أن تقرير ملف الذاكرة الذي يشرف عليه بنجامين ستورا سيكون جاهزا شهر جانفي القادم».
إلا أنه قد يكون من دواعي التساؤل عن جدية هذه الخطوة الفرنسية في معالجة ملف الذاكرة أن مستشار رئيس الجمهورية المكلف بملف الذاكرة من الجانب الجزائري عبد المجيد شيخي صرح أنه منذ فتح ملف الذاكرة بين الجزائر وفرنسا قبل ستة أشهر لم يلتق مع بنجامين ستورا، وأنهما اتصلا ببعضهما مرتين فقط، مما يعني أن طريق الوصول إلى اتفاق أو رؤية توافقية بين الجزائر وفرنسا حول النقاط الشائكة والخلافية في ملف الذاكرة ما زال بعيدا وشاقا. وبهذا الخصوص أكد عبد المجيد شيخي أن مضمون التقرير الذي سيرفعه المؤرخ بنجامين ستورا إلى ماكرون هو ما سيكشف بشكل واضح نوايا الجانب الفرنسي تجاه الملف.
وللتذكير فقد اتفق الرئيسان عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون في شهر جوان 2020 على تكليف شخصيتين عن الجانب الجزائري والجانب الفرنسي بإعداد ملف الذاكرة ، ويتعلق الأمر بكل من عبد المجيد شيخي مستشار رئيس الجمهورية مدير الأرشيف، والمؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا، وتتهم أوساط اليمين المتطرف في فرنسا ومنظمات الأقدام السوداء ومنظمات الحركى، المؤرخ بنجامين ستورا بالتحيز للجزائر في نظرته للتاريخ الاستعماري الفرنسي، ولذلك دعت منظمة الحركى بفرنسا المسماة «اللجنة الوطنية لتواصل الحركى»، في بيان لها بنجامين ستورا، إلى القيام بعمله كمؤرخ يبحث في الماضي دون تحيز إيديولوجي أو تزوير.
غير أن السلطات الجزائرية ترفض إدراج قضية الحركى في ملف الذاكرة وتعتبرها قضية «فرانكو ـ فرنسية» أي قضية فرنسية داخلية، حيث أكد عبد المجيد شيخي، المكلف بملف الذاكرة من الجانب الجزائري، في حوار مع مجلة الجيش: «أن هناك ملفات غير قابلة للنقاش كموضوع الحركى، لأن ذهابهم إلى فرنسا كان بمحض إرادتهم، إذن على الفرنسيين إصلاح ذات بينهم والتصالح مع تاريخهم»، وسبق لوزير المجاهدين، الطيب زيتوني، أن أكّد على أن «ملف عودة الحركى غير قابل لأي نقاش أو تفاوض مع السلطات الفرنسية لأن ملف الحركى فصل فيه التاريخ وإثارة ملف عودتهم يبقى خطا أحمر لأن هؤلاء اختاروا المعسكر الذي يريدون…».
وإذا كانت السلطات الجزائرية تبدي الكثير من الصرامة في موقفها الرافض للدخول في أية مناقشة مع الطرف الفرنسي حول قضية الحركى، فإن السلطات الفرنسية في المقابل تبقى مصرة على استعمال ملف الحركى كورقة ضغط ومساومة في ملف الذاكرة مع الجانب الجزائري، ومثلما استعملت فرنسا الحركى بالأمس كأدوات لتنفيذ مهام التقتيل والتنكيل والتعذيب والتخذيل والوشاية ضد بني جلدتهم من الجزائريين، فإنها ما زالت اليوم تستخدمهم لأغراض انتخابية ومساومات تاريخية.
أعطى وصول إيمانويل ماكرون إلى سدة الرئاسة في فرنسا دفعا جديدا لملف الحركى، ففي17 أكتوبر 2017 درس البرلمان الفرنسي مشروع قانون يتهم الجزائر بارتكاب مجازر وعمليات تقتيل وانتقام بحقّ الحركى غداة الاستقلال، وفي سبتمبر 2018 أصدر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مرسوما رئاسيا، منح بموجبه امتيازات استثنائية للحركى المقيمين في فرنسا، منذ استقلال الجزائر عام 1962، ومنح أعلى رتبة تكريم في فرنسا لـ 6 للحركى ومؤسسة وجمعية تابعة لهم، كما تم بتوصية منه إعداد تقرير حول الحركى بعنوان «فرنسا تكن الاحترام والتقدير للحركى»، حمل 56 إجراء سياسيا واجتماعيا وماديا،. منها «تدريس الحرب الجزائرية» في المدارس الإعدادية والثانويات، مع التركيز على تاريخ الحركى وإبراز دورهم خلال هذه الحرب.
كما أن الرئيس إيمانويل ماكرون الذي سبق له أن صرح: «إن الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية، إنه وحشية حقيقية وهو جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نواجهه بتقديم الاعتذار لمن ارتكبنا بحقهم هذه الممارسات”، عاد ليقول مؤخرا: «أن المهم هو القيام بعمل تاريخي والمصالحة بين الذاكرتين بدلاً من الاعتذار»
ومن جهته صرح وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أن فرنسا لم تهمل ملف الحركى لأن الملف « مازال في قلب المحادثات مع الجانب الجزائري وأن فرنسا ستبذل ما في وسعها للحفاظ على حقهم في العودة إلى بلدهم»، وكذلك اعتبرت كاتبة الدولة لدى وزارة الدفاع الفرنسية جونفييف داريوساك، أن «عودة الحركى إلى الجزائر تحتاج إلى وقت وإقناع». فالسلطات الفرنسية مازالت تتمسك بطرح مسألة ممتلكات الحركى في الجزائر، وحقوق المواطنة وفتح ملف تنقلهم إلى الجزائر، بصفتهم مواطنين جزائريين لكن بجنسية فرنسية، رغم أنه سبق لمسؤولين جزائريين أن أكدوا أن الحركى عاشوا بسلام في الجزائر بعد استرجاع الاستقلال، وهذا ما أكده أيضا الكاتب الفرنسي بيار دوم في كتابه «الطابو الأخير» الذي ذكر فيه «أن 93 بالمائة من الحركى بقوا في الجزائر بعد الاستقلال»، بل أن هناك من أبناء الحركى ممن تولوا مناصب رفيعة في الدولة الجزائرية المستقلة، منهم على سبيل المثال عبدالسلام بوشوارب وزير الصناعة والمناجم الأسبق الهارب من العدالة الجزائرية الذي تولى مهمة تخريب الصناعة الجزائرية والتضحية بقدراتها لصالح الامتيازات الفرنسية. ليس خافيا ان وسائل الإعلام الجزائرية ولدولية قد تطرقت إلى الحديث عن تمكن بعض الحركى وأبنائهم من التسلل لمنظومة الحكم بعد استرجاع الاستقلال الوطني واستغلال مناصب حساسة في الجزائر.
والمرجح أنه إذا أقدم الجانب الفرنسي على التمسك بأطروحاته الابتزازية حول ملف الحركى لأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو انتخابية، فإن موعد الكشف عن الرؤية الفرنسية لملف الذاكرة في شهر جانفي الذي أعلن عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيكون مجرد فرصة أخرى ضائعة لتجاوز جراح وآلام الماضي بين الجزائر وفرنسا وعامل كبح وتنغيص لمسار التفاهم والتقارب بين البلدين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

فجــــر النصـــــر الفلسطــينـــي

أ. عبد الحميد عبدوس/ في صبيحة يوم الجمعة 9شوال1442 هـ الموافق 21ماي 2021 لاح فجر …