الرئيسية | رأي | الميثاقية والانفصالية وسياقات فلسفة حقوق الإنسان

الميثاقية والانفصالية وسياقات فلسفة حقوق الإنسان

أد/نورة بوحناش/

ارتبط العصر الحديث بمصطلح حقوق الإنسان، فكاد أن يرادفه، إذ تحولت مواثيق حقوق الإنسان إلى أنموذج من ديانة حاكمة على الفضاءات الإنسانية، بداية من الحياة الفردية الخاصة إلى الحياة السياسية، ثم عُمِمَتْ على العالم تعميما كونيا؛ بسبب الهيمنة التسلطية للغرب.

ولأن الغرب هو مالك السلطة والقوة، فقد تحولت حقوق الإنسان إلى كونية بديهية تلغي ثقافة المختلف، فليست مواثيق حقوق الإنسان، المعمول بها في فضاء عالمي موسوم بالتحكم السياسي والاقتصادي، تراكما جينيالوجيا غربيا حصريا، إذ تمت فيها الانزياحات المفهومية تعميما على فضاءات الإنسانية المتباينة، فقد تتالت منذ النهضة الأوروبية، متشكلة بحسب التطور الأنطولوجي لمفهوم الأنسنة وفق صيرورتها الغربية.
تنبني فلسفة حقوق الإنسان على ركيزة، وهي تعويض الإله بالإنسان، على إثر فك المواثيق الدينية الأخلاقية ذات الصلة بالماوراء، طبعا كان هذا الفك بفعل تأثير تاريخي نقدي، مر به عصر النهضة الأوروبية وصولا إلى عصر الأنوار، وإذ ذاك سيحتل الإنسان مركزية التأسيس والتشريع، لتنفتح معضلة مصدر الحق وطبيعته، ولأي غاية يؤدى هذا الحق، ممثلة لأحد أهم المفارقات التي تطرحها فلسفة حقوق الإنسان، بوصفها بيانا مركزيا عن الحداثة الغربية.
يجب الاعتراف بأن ميثاق حقوق الإنسان، هو البديل الذي أمد به عصر الأنوار الإنسانية الغربية، ليكون تعويضا عن الحقوق حسب منظورها اللاهوتي المسيحي. كما كانت العقلانية تعويضا عن الإيمان ليتلاشى رويدا وينتهي مغادرا. هي مجموع تعويضات آلت إليها حقائق التاريخ الديني الغربي في العصور الوسطى، من الواجب تمثلها واعتبارها في كل لحظة نفكر فيها في العلمانية ومترادفاتها، وفي حقوق الإنسان وطبيعتها، وعندما نتمثل مقارنة بين الفضاء الأوروبي والفضاء الإسلامي، لننتهي إلى تعميم الأنموذج الغربي على الإنسانية، دون اعتبار القيم التي تحرك الفضاءات المخالفة.
وإذن فلاغرو أن المسيحية قد مثلت أنموذجا للاتسامح والتعصب، ولم تكن رسالة جون لوك في التسامح إلا بيانا عن المظهر العام للتشكل النسقي لذهنية المسيحي تجاه كل العقائد من جهة، وتجاه الشيع المسيحية بعضها مع بعض، إنها حرب الكل ضد الكل، فكانت المسيحية عاملا للكراهية بدلا عن المحبة كقيمة أخلاقية تتحرك لأجلها عقيدة التثليث وتدعو إليها، كما يؤكد فولتير على ضرورة انحياد الكنيسة عن الشأنين الخاص والعام، حتى تصان الحقوق الإنسانية، إذ ناقش وضع الكنيسة مع العقل، واعتبرها سببا مباشرا في الانهيارات الكبرى، التي أصابت فرنسا من مظالم وهيمنة للطبقة الإقطاعية وخرق للحقوق على جميع الصعد، بهذا مثلت المسارات التي سارت وفقها المسيحية، حركة تفعيل الانفصالات لدى الإنسانية الأوروبية، وتشكلا لعقلية الكراهية ضد المخالف.
الحاصل أن نمو فكرة حقوق الإنسان في إطار فلسفي غربي خالص، يرتبط بطبيعة الدين المسيحي في جدله مع التاريخ الأوروبي، وما قامت به منظومة الإكليروس من انتهاك لحق الإنسان والمجتمع. فلما انمحى الدين ومزق ميثاق العقيدة، لم يجد الإنسان مساحة إلا الطبيعة البشرية، لتكون مؤسسة التشريع للحقوق والواجبات. وهكذا تم تعويض الميثاق الديني مع الكنيسة كمؤسسة لها إمكانات الخلاص من الخطيئة والغفران، بميثاق تتخذه الذات مع نفسها، يعني أن يكون مخزونها الذاتي هو معين التشريع، خاصة أن بناء تعريف الإنسان بوصفه ذاتا فصلت عن الإله في عصر النهضة قد تشرب بالروح الفلسفية اليونانية، فقد أمدت السوفسطائية النزعة الإنسانية النهضوية بمقولة “الإنسان مقياس الأشياء جميعا الموجود منها وغير الموجود”، ليتمثل الإنسان عند إنسانيي عصر النهضة للذئبية، فكان ذئبا لإخيه الإنسان، ولم يكن العقد الاجتماعي بين الذوات المهيكلة على الذئبية إلا نقلة من وضع الغريزة إلى المحافظة على حق الغريزة، وهو ما تثيره قيمة الحرية وتطور مفهومها ثم تطبيقاتها، عبر المسارات التي اتجه فيها ميثاق حقوق الإنسان ثم تجلياتها اللاحقة.
وهكذا كانت نظرية العقد الاجتماعي أحد الركائز الفلسفية لتحول الطبيعة البشرية إلى إرادة إنسانية عامة لها سلطة التشريع من ذاتها، وبالتالي ضبط الحقوق وترسيمها من قبل سلطة الشعب، وستتأسس القوانين الوضعية بديلة، لكي تسير المجتمع، أما مصدرها فهو ما يصطلح عليه القوانين الطبيعية، بمعنى أنها تنحدر من فسخ الميثاق مع الإله المصلوب على الصليب، بعدما أمد المؤسسة الدينية بشرعية التحكم، وتعويضه بالحق الطبيعي الذي يكون ضمن الدولة حقا وضعيا.
ستنزاح الطبيعة البشرية بمفهومها ماقبل الميثاقي تطورا إلى عقلانية مكتفية بذاتها عند كانط، فألفت الكانطية مرجعية فكرية كونية تأسيسا لميثاق حقوق الإنسان، وستخلص الفلسفة النقدية الكانطية إلى تمييز الإنسانية الحديثة بخصائص انفصالية عن كل دين، جاعلة من الحرية، العقل والرشد البديل المؤسس لهذه الإنسانية، تعويضا عن الوصاية الإكليروسية.
بهذا تكون فلسفة حقوق الإنسان في حداثتها وثيقة الصلة بالتاريخية الغربية، وانبثاقا عن مفاهيمها التي تم صهرها في علاقة جدلية بالمنظومة الدينية المسيحية، ما جعل فلاسفة معاصرين مثل مشال فوكو ولوك فيري يصفان فيلسوف الواجب كانط، بفيلسوف الحداثة لأنه فصل بين الأبعاد وجعلها ثنائية، العلم والأخلاق، الأخلاق والدين، الإنساني والمتعالي، ليتلبس الشخص الإنساني بروح علمانية لا يدرك فيها إلا وجوده الذاتي المتمثل في العقلانية، هنا تنبثق فلسفة ميثاق حقوق الإنسان، منفصلة عن حالة الميثاقية التي تعد في المنظومة العقدية والتشريعية الإسلامية صميمية وجذرية.
وإذن تكون فلسفة الأنوار مؤشرا مرجعيا فكريا انبنى عليه ميثاق هذه حقوق الإنسان، الذي اعتلى مصاف الديانة الكونية، وهي مرجعية تتطلب التفكيك، سواء فيما تعلق بمفهوم الحق أو مفهوم الإنسان. كما تؤشر أيضا إلى استشرافات أدت إليها هذه المفاهيم يجب السؤال عنها، فهل حققت توازنا في الحقوق؟ خاصة أن العالم يشهد انتهاكا لهذه الحقوق ليصبح الحق شكلا من الاغتصاب للحقوق الإنسانية. وعلى الرغم من الادعاءات الغربية بتحقيق حقوق الإنسان في أرجاء المعمورة، إلا أن الأنظمة الغربية تسعى في سبيل تثبيت الديكتاتورية في هذه الأرجاء، أنظر ما تفعله أمريكا من انتهاكات لهذه الحقوق عبر العالم مدفوعة بزعم غريب وهو نشر الديمقراطية في العالم، لذلك يمكن أن نربط مفهوم فلسفة حقوق الإنسان بالنقد الذي يجب أن يواكب عملية الدعوة إلى حقوق الإنسان.
تتركب الصيغة “حقوق الإنسان” من مفردتين هما “الحقوق” جمع مفرده “حق” ثم “الإنسان” الذي يعد مصدرا لهذه الحقوق وإليه تعود في ميثاق حقوق الإنسان. كما وتؤشر هذه الصيغة إلى تعددية في الحق وتكثير له وإمعان في تعدده. فما هو الحق في مفهوم حقوق الإنسان؟ ثم من هو الإنسان الذي يعد مصدرا لهذه الحقوق، لتعود لأجله تنظيما لذاته ومن أجله ذاته؟
أما الإنسان فهو سردية تاريخية غربية، تنتهي إلى اعتباره إنسانا غير مكلف بحقوق من قبل كل ميثاق إلا ميثاق طبيعته الإنسانية، أما غايته فهي الكرامة الدنيوية، التي تعني التكثير من الحقوق والتقليل من الواجبات، ذلك أن الفردية بوصفها مؤشر الطبيعة الإنسانية، تمد بتبرير الحقوق وتجفيف منابع الواجبات، وفي النهاية تبرير الكرامة، بتجاوز حدود الميثاق، أما مركز هذا التجاوز فهو مفهوم الحرية، بوصفها منطقا أساسيا يحرك الطبيعة البشرية، في سعيها إلى تحقيق الكرامة الإنسانية، ما يجعل مفهوم الكرامة مثيرا للسؤال، خاصة أن الاختراقات الإنسانية للعرف الأخلاقي في عصر هيمنة ديانة حقوق الإنسان، تقود إلى التفكير في رهانات الكرامة الإنسانة، كما وتعلقت هذه الكرامة بمفهوم الحرية المجاوزة، ذلك أن عين هذه الحرية ستعمل على فسح مجال الاستزادة من الحقوق وتشعبها، وما هي إلا رصد عميق للفرادنية. لذلك لم تتوقف الحرية عند مجالات تحقيق الحقوق الأساسية، حفاظا على الكرامة الإنسانية، إنما تحولت إلى وسيلة إهدار للكرامة الإنسانية، وما التطبيقات التقنوعلمية مثل التلقيح الذاتي من بنوك النطاف، والأم البديلة غير دليل على هذا الوضع العام الذي اتخذته الحرية منهاجا لتكثير الحقوق.
ويبدو أن مفهوم الحرية في حقوق الإنسان، تلبس بالهوى ومثله، وهو ما يتبين فيما انتهت إليه الحقوق في عصر ما بعد الحداثة، حيث أصبح الحق هو عين اختراق الفطرة الإنسانية بل وإمكاناتها، تجلى مثلا اليوم في اعتراف بالزواج المثلي، الأم البديلة ومتغيرات أخرى أحدثت كسرا للأعراف الأخلاقية الإنسانية.
وعموما تعتبر حقوق الإنسان في العصر الراهن، بعدا كونيا هاما في العالم، بل هي عصب الأحكام الإنسانية والسياسية العالمية، بما تحتويه من مضمون أخلاقي يحترم القيم الإنسانية جملة. ويقدم الحقوق الأساسية لكل إنسان، بما أنها تقوم على الاحترام المتبادل للحقوق الإنسانية، هذا حسب المنظور النظري الذي تشير إليه حقوق الإنسان، إلا أن مجال التطبيق عامر بالمفارقات، والتناقضات فبين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن بون شاسع تحكمه البراغماتية التي تهيمن عليها المركزية الغربية، لذلك تتخذ حقوق الإنسان وسيلة لترتيب الدول بين مارقة وطائعة، بين محور الخير ومحور الشر، وكل دولة تتفق مع المصالح العليا للمصالح الغربية تدخل في خانة الدول الطائعة أو قل المستسلمة، أما الأخرى فهي مارقة وتؤلف محورا للشر، لأنها لم تستسلم للابتزاز والهيمنة.
خلاصة القول يكون ميثاق حقوق الإنسان ميثاقا لا ميثاقيا، وتعاقدا للذات البشرية مع طبيعتها، بعدما فسخت ميثاقها مع إله ضعيف مصلوب على الصليب، إله ارتكبت باسمه جرائم ضد الإنسانية يشهد عليها التنازع الذي عمر أرجاء العصور الوسطى في أوروبا. والأمر هكذا فإن ميثاق حقوق الإنسان هو ميثاق لا ميثاقي، وحالة من الانفصال جعلت تبرير اختراق المعايير الأخلاقية، راجحا وموافقا للحرية الإنسانية، بدعوى توافقها مع حقوق الإنسان.
من جهة أخرى تنبني حقوق الإنسان في الإسلام على الميثاقية، والتواصل بين الله والإنسان بما أن الله موصوف بأسماء حسنى هي عين القيم الأخلاقية التي فطر عليها الإنسان معرفة وعملا، لذلك لن ينفصل ميثاق حقوق الإنسان عن الميثاق الأشمل، الذي يعني أن الحقوق هي حقوق محروسة حراسة إلهية، مصانة في الميثاق الأشمل الذي تمثله الشريعة الإسلامية.
وعموما تتسم الرؤية الكونية في الإسلام ببناء مشروعية للتكليف الإنساني، فالترابط بين الإنسان والله، يعني مسؤوليته على نفسه وعلى الآخر وعلى الكون بأسره. ولأن الإنسان مكرم بحمل الأمانة التي استودعها الله في فطرته، فيجب عليه أداء أفعاله وفق هذه الأمانة، التي هي في نهاية المطاف فعل الصلاح. وإذن تتعلق الحقوق بالميثاق الإلهي وليس بالطبيعة البشرية.
تتشكل مجمل الرؤية الكونية الإسلامية على اعتبار ضآلة الإنسان ونهايته، ليعود مرة أخرى للسؤال والجزاء في اليوم الآخر، وعليه تكون مسؤولية المسلم على نفسه، بإدراك ضآلة الدنيا وقصر مداها، لذلك تكون أعماله موجهة إلى تلبية نداء الصلاح، وهنا لن يخل بالقانون الأخلاقي الكوني المستودع في الميثاق، ليحد نفسه بحدود أقرها الميثاق وثبتها.
يتبع

عن المحرر

شاهد أيضاً

تزكية أرواح الرَّعيل الأوَّل بأنواع العبادات: من جوانـب البنـاء التعبدي والأخلاقي في الفتـرة المكية

د. علي محمد الصلابي/ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا …