الرئيسية | مساهمات | رواية «جسور الموتى» لعلي حليتيم شعرية اللغة وعمق الرؤية وتعدد الأصوات1

رواية «جسور الموتى» لعلي حليتيم شعرية اللغة وعمق الرؤية وتعدد الأصوات1

أ.د. عبد الملك بومنجل/

الأدب لغةٌ أوّلا، وبنية فنية ثانيا، ورؤية معرفية بعد ذلك أو خلاله. والرواية فن من فنون الأدب؛ فهي لغة أوّلا، وبنية فنية ثانيا، ورؤية معرفية بعد ذلك.
وأستطيع أن أجزم أن رواية «جسور الموتى» لعلي حليتيم قد نجحت في امتحان اللغة أيّما نجاح، وحلّقت في فضاء الرؤية بغير جناح؛ وأما البناء الفني فمسألة قابلة للنظر، وفي تقويمها فسحةٌ لاختلاف الآراء.
هي رواية تاريخية وواقعية وإن نبّهَ صاحبها في عنوانها الفرعي على أنها «رواية من خيال». هي رواية من خيال بلا شك، كما هو شأن الروايات التي لا تتكئ على مادة تاريخية جاهزة شخصياتٍ وأحداثا؛ ولكنها مع ذلك تُعزى إلى التأريخ لمرحلة ما، والتوثيق لواقعٍ كان، بشخصيات لها في التاريخ القريب شبيه، وأحداثٍ لها في الواقع السياسي والنفسي وجود. وقد تكفّل الخيال باختيار الشخصيات وتسميتها، وتصوّر الأحداث وتصويرها، وتلك مهمة الفن.
ولعل مزية الرواية الأولى هي هذه التاريخية، لا لأهمية أصيلة في التأريخ ذاته، بل لأن القضية التي تناولتها «جسور الموتى» هي قضية وجودية من الخطورة بمكان، ولأن النصوص التي تناولتها من قبل بالتسجيل أو التحليل فنيا وغير فني، لم تكن من الموضوعية بمكان؛ فهي إلى التزوير أقرب منها إلى التوثيق، وهي إلى دكتاتورية الرأي الواحد أقرب منها إلى ديمقراطية الصوت المتعدد. وقد سقط عديدُ الروايات الفنية في هذا المزلق الفني والأخلاقي في آن؛ إذ الفن الذي لا يُقدَّم في صورة من تعدد الأصوات وتحليل الأبعاد وسبر الأعماق، هو إلى الدعاية السياسية الفجة أقرب منه إلى الفن.
هي رواية من 346 صفحة تصوّر بالخيال مأساةَ شعبٍ ومجتمع ووطن، بل مأساة أمة في إنسانها ودينها ووجودها. مأساة ذاق الشعب الجزائري ويلاتها على مدى عشرية سوداء أو حمراء: عشرية الدم والذبح والرعب والثكل والفقد والفتنة والانحدار الرهيب في عالم القيم والمشاعر والأهداف!
عنوان الرواية (جسور الموتى) يختصر المأساة بأبعادها كلها أفقا وعمقا: الأفق أكوام من القتلى تجاوز عددهم مئتي ألف، والعمق أن أولئك القتلى من الطرفين لم يكونوا سوى جسرٍ لمن يُخرجون المسرحية-المأساة إلى أهدافهم السلطوية، حيث الطرفان المتقاتلان ليسا سوى شخصيات تمثل الدور دون أن تدري، لصالح من يخرج المسرحية، يخرج المأساة !
اتخذ الروائي لنفسه مكانا محايدا على مقربة من الأحداث والشخصيات، وراح يبسط رؤيته للمأساة من خلال الشخصيات التي اختارها من الطرفين: السلطة التي انقلبت على إرادة الشعب جانفي 1992، والمسلحون الإسلاميون الذين اضطروا إلى حمل السلاح ومقاتلة الجيش لأسباب حاك خيوطها مؤلف المسرحية.
أيسيرٌ أن يتخذ صاحب الرواية مكانا محايدا، فيكشف حقيقة الصراع بلا تحيّز، ويسبر عمق المأساة بلا تحامل، ويشارك أطراف المأساة مأساتهم بالمقدار نفسه من التعاطف والتفهم أو التشنيع والاحتقار، كلا في محله؟
ذلك ما فعله علي حليتيم في روايته هذه. ليس عليه أن يكون بلا رأي ولا رؤية، إذ الأديب الكبير من له رؤية وفلسفة في الحياة؛ ولكن عليه أن ينهض بواجبات الفن أوّلا، وواجبات الإنسانية ثانيا، فلا يُقحم رؤيته على نحو سافر، بل يدع بعض شخصيات الرواية تقدم هذه الرؤية. ولا يقمع الصوت الآخر الذي لا يوافقه هذه الرؤية، بل يمنحه حقه في المرافعة عن نفسه، والكشف عن دوافع أفعاله؛ وهذا ما فعله صاحب الرواية.
الأحداث في «جسور الموتى» تجري في أعماق النفوس أكثر مما تجري على الأرض. هي رواية سياسية بمداخل نفسية في الغالب وفكرية حين يتعلق الأمر بالشخصية المركزية في الرواية: «منير» باسمه الحقيقي و»أبو الأهوال» باسمه الثوري.
ويبدو أن هذا هو اختيار الروائي. فالأحداث غير مهمة في ذاتها، بل المهم فيها دوافعها ودلالاتها، والمطلوب من الفن الحفرُ لا المسح. الحفر في أعماق الظاهرة، أعماق المأساة، ولا أعماق أقدرُ على تحليل المأساة وكشف وجهها المروّع وفلسفتها العدمية من أعماق النفوس. ولا شك أن القدرة على استبطان ما تخفيه الصدور، ووصف ما يتحرك في أعماق النفوس من خواطر وهواجس، ومن عقد وحواجز، هي إحدى عوامل النجاح في الفن، لاسيما الروائي.
الزمان والمكان في «جسور الموتى» بسيطان غير مركبين. الزمان هو التسعينيات من القرن الماضي، منذ بدء التعددية السياسية، مرورا بالانقلاب على الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية، ولوجا في عمق المأساة بدخول البلاد في حرب أهلية، وصولا إلى بوادر مصالحة سياسية يشكلها المُخرج: مُخرج المسرحية-المأساة كيف يشاء. ونادرا ما ينعطف الزمان إلى ماض قريب أو بعيد.
والمكان هو الجبل الأحمر بـ»بوسعادة» حيث تختبئ كتيبة من المسلحين الإسلاميين، أو «الإرهابيين» باصطلاح الطرف الآخر، ليشن أفرادها الهجمات المباغتة على أفراد الجيش النظامي. أو هو الثكنات التي يُخطط فيها للإيقاع بالمسلحين، أو بالمعارضين غير المسلحين، أو حتى بالمتدينين غير المعارضين. وتنطلق منها عمليات المداهمة أو القصف أو الخطف أو القتل أو الترويع لأهداف يحددها مُخرج المسرحية. ولا يكاد المكان يخرج عن هذا الحيّز إلا إلى جامعة أو مسجد أو مقهى حيث المصب في النهاية هو صراع الثكنة والجبل.
الزمان والمكان مهمان في الرواية، فهما الجسد الذي تتراءى به للمشاهد. هما الرابط الحسي بين الرواية والقارئ؛ ولكن «جسور الموتى» لا تتخذ الزمان والمكان إلا إطارا خارجيا لأحداث تجري في أعماق النفوس أكثر مما تجري على صفحة الأرض.
كأنما لب الرواية شخصياتها. ولب الشخصيات أعماقها: أفكارها ودوافعها، وأحلامها وهواجسها، وليس أفعالها. لذلك يحسن أن نركز في هذه القراءة على الشخصيات.
شخصيات الرواية محدودة لا تكاد تتجاوز العشرة. وهي ثلاثة أصناف: جبلية، وعسكرية، وشعبية.
أما الجبلية فأهمها «أبو البراء» أمير الكتيبة المتصف بالصلابة والحقد والتشدد والاندفاع وقلة العلم، و»أبو الأهوال» (أو منير) صاحب الفكر الواسع النيّر المتزن، والعضو الغريب الروح والفكر والأهداف في صف الكتيبة. وأما العسكرية فأهمها «الرائد فريد» و«الملازم سمير». وأما الشعبية فأهمها «الشيخ أحمد» الإمام التقي الراجح العقل الصادق الحب لدينه ووطنه، و«زهراء» جارة «منير» والطالبة الجامعية التي أحبها وأحبته، ثم خطبها وعقد عليها، وبنيا معا أحلام الحياة الرفيعة في ظل الإسلام الوارف الزكي ومُثُله الراقية التي لم تلطخها مادية أهل الزيغ ولا فظاظة أهل الجفاء والجهل، ثم كانت خاتمة علاقتهما الدنيوية رسالة منه إليها قبيل إنفاذ حكم الإعدام فيه من قِبل الكثيبة ! ورسالتها إليه ردا على رسالته إليها، ويا لهما من رسالتين لغةً وروحا! وبهما خُتمت الرواية.
كان لافتا للانتباه أن الروائي اختار لهذه الشخصيات الست وحدها أن تشكل عناوين فصول الرواية !
سبعة وثلاثون فصلا لا عنوان لأي منها غير اسم من هذه الأسماء يتكرر مرات ومرات متصلا أو منفصلا على امتداد الرواية !
لماذا اختار الروائي هذه التقنية في العنونة، وهل كان موفّقا فيها؟
أنا لم أرتضِ له هذا الاختيار، وأرى أن اختيار عناوينَ مضمونية كان أولى وأجدى؛ ولكنه اختياره، ولعل له وجها يسوّغه أو يستدعيه.

عن المحرر

شاهد أيضاً

لـماذا يرفــــع ماسنيســــا دون ســــــواه…؟

أ. عادل بن جغلولي لا شك أن للتاريخ أهمية قصوى في حياة الأمم إذ يعتبر …