الرئيسية | رأي | حكـــم التطبيـــع في شريعــــــة الإســـــلام

حكـــم التطبيـــع في شريعــــــة الإســـــلام

د. التواتي ابن التواتي/

كنت أشرت في مقال سابق إلى دلالة (التطبيع) من حيث اللغة فقلت آنذاك: أن هذا اللفظ يتركب من لفظين: التط ومعناه الستر والتستر، والبيع وهو ما يعرفه كل الناس، أي: أن ما كان تطا أصبح بيعا أي: ما كان في الخفاء ظهر للعيان وبيعت القضية الفلسطينية بالمقايضة إما ببيع أسلحة (وطائرات) كما الحال بالنسبة للإمارات، وبالاعتراف بالسيادة على الصحراء الغربية… وهذه المسألة لي فيها كلام –سأعود إليه في مقال آخر-إن شاء الله تعالى-.
وما يهمني في مسألة التطبيع حكم الشرع فيها هل التطبيع جائز شرعا أم غير جائز؟ لا أذهب إلى البحث عن النصوص قد يكون للمخالف تأويل فيما أورده من نصوص وإنما أركز على مسألة الإجماع عند علماء الأصول قديما وحديثا:
تعريف الإجماع: أنه عام فيِ أيّ عصر كان بعد وفاة الرسول لا فرق في ذلك بين عصور الصحابة وعصور من بعدهم وهذا قول الجمهور.
قال الآمدي: الإجماع يقال: أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا عليه وعلى هذا فاتفاق كل طائفة على أمر من الأمور دينيا كان أو دنيويا يسمى إجماعا.
وقالوا: الإجماع هو اتفاق جميع المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور بعد وفاة الرسول على حكم شرعي في واقعة، وقالوا: اتفاق علماء العصر على حكم النازلة. والإِجماع حجة مقطوع عليها، يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجتمع الأمَّةُ على الخطأ.
ولا أسترسل في ذكر تعريفات الإجماع عند الأصوليين قديما وحديثا فكلها تصب في مفهوم واحد وإن اختلفت ألفاظهم.
وهنا نسأل ألم تجمع الأمة على أنه لا يجوز التعامل مع المحتلين لأرض فلسطين لأن ذلك إهانة للمقدسات وتحد لما نهي عنه قرآنا قال تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} وهذا تغليظ وتشديد ومبالغة. أي: ومن يتول اليهود دون المؤمنين، فإنه منهم. يقول: فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحدا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وفي هذا دلالة واضحة على صحة ما نقول.
فقد أجمعت الأمة الإسلامية عربها وعجمها علماؤها وعامتها (أي: أن إجماع الأمة قاطبة) أنه لا يجوز التفريط في مقدسات وفي أرض فلسطين من أجل أغراض دنيوية أو نصرة من أمريكا وغيرها، وذلك بدليل أصل من أصول الدين المعلوم بالضرورة، وذلك لأن قضية فلسطين قضية أمة ومقدساتها، ولذلك لا يحق شرعا العبث بها والتفريط فيها.
قال أحدهم يوما: إنّ قضية فلسطين هي من قضايا المسلمين الأولى، وإنّ المصيبة التي تعيشها فلسطين وقلبها القدس والمسجد الأقصى هي مصيبة يعيشها كل المسلمين في أنحاء الأرض.
وإنّ الحديث عن المسجد الأقصى يثير الشجون والألم والحسرة في نفوس المسلمين الصادقين لما يعانيه من مكائد يهودية خطيرة تستهدف هدمه وإزالته من القدس وفلسطين، ومن قلوب المسلمين المتعلقين بالأرض المباركة..
توضيح: ما من مسلم على وجه الأرض إلاّ يعلم أن هناك شعبا معتدى عليه، وأن هناك مقدسات انتهكت واعتدي عليها من قوم يدعون أنهم أحفاد الشعب المختار، وعلى هذا لم نقل شططا إن قلنا: بأن الإجماع قد تحقق، وثبت في الشريعة أنه لا يجوز موالاة اليهود ومناصرتهم، وتسليم أرضٍ هي أمانة في أعناق المسلمين إلى أن تقوم الساعة، وأن الله تعالى أخبر أنّ موالاة اليهود من ديدن الذين في قلوبهم مرض، وقد يكون سبب علة الموالين خشية الدوائر، وضعفا في الإيمان.
والغريب في الأمر أن التحدي للشرع لو كان من دول انتسبت إلى العلمانية لهان الأمر، ولكن هذا التحدي تحقق من دول تدعي أنها حامية للشريعة وخادمة للمقدسات، وتدعي لنفسها أنها تمثل الإسلام والمسلمين.
لمثل هذا يذوب القلب من كمد
إن كان في ذي القلب إسلام وإيمان.
حكم من أنكر الإجماع: إن الإجماع أصل من أصول الشريعة ولا اعتبار بخلاف من لا يعتد بالإجماع كالنظام في مخالفته، وعلى هذا فإن مخالفة ما أجمعت عليه الأمة وخاصة لما يتعلق بقضية بفلسطين بالنسبة للمسلمين عربا وعجما قضية وجود أمة تدافع عن مقدساتها، أي: مسجدها الأقصى وكنائسها التي أوصى بها عمر الفاروق.
ويكفي أن تعلم أيها القارئ الكريم أنك لو سألت أي واحد من المسلمين هل يجوز التخلي عن فلسطين وتحسين العلاقة مع مغتصبيها لأجابك بملء فيه لا يجوز. هذه خيانة هذه خيانة.
قد يحتج المعاند أن المعتبر في الإجماع قول أهل الاجتهاد ولا يعتبر فيه قول العامة، يجاب بأننا ذكرنا أن الإجماع بعدم موالاة اليهود والتطبيع معهم هو إجماع الأمة قاطبة عربها وعجمها علمائها وعوامها، لأنها مسألة وجود أمة صاحبة ميراث.
للمقال صلة وذكر تفصيل ما ورد مجملا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

تزكية أرواح الرَّعيل الأوَّل بأنواع العبادات: من جوانـب البنـاء التعبدي والأخلاقي في الفتـرة المكية

د. علي محمد الصلابي/ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا …