مقالات

الوَاعِظُ الصَّامِتُ

أ. جمال غول/

جاء في الأثر: (مَن لم يَعِظْهُ الموتُ فلا واعِظَ له)، فمن حكمة الله -جلَّ وعلا – أن جعل للأموات فضلًا على الأحياء بأن صيّر موتَهم محطّاتٍ للتّفكُّر والتّدبُّر وأخذ العظة (لمن كان له قلبٌ أو ألقى السّمعَ وهو شهيدٌ). وهذه المحطات التي يتزوّد بها العاقلون كافية لأن توصلهم إلى المحطّة الموالية، إلى أن يضعوا أحمالهم عند باب الآخرة..
كثيراً ما يهتزُّ النّاس لموت فلان أو عِلّان، من الأقارب أو الخِلّان، إلى درجة الحَيْرَة التي تُنسيهم حتّى التّرحُّم عليهم، وكأنّهم لم ينتظروا أن يموت فقيدهم، رغم عقيدتهم الرّاسخة بأنّ الموت حقٌّ، وترى خشوعاً وحزناً وألماً ظاهراً وسط المعزِّين والمشيِّعين، ولكنَّه سُرعان ما يذبُل ويتلاشى بعد أيّام أو شهور، وتلك سُنَّةُ الله في خلقه، وحكمتُه بين عباده.
ومع تطوُّر تقنيات التّواصل الاجتماعيّ أضحت صفحاتُ الفايسبوك -وهي من أكثر البرامج رواجاً بين النّاس عندنا – فضاءً للتّنفيس عن مكنونات الألم الذي يُصيب النُّفوس المكلومة، وساحةً لإظهار الحزن ولوعة الفِراق، من خلال نشر الصّور، وإنشاء المنشورات بعبارات بليغة ولغة حزينة..
ولا شكَّ أنّ ذلك فيه نفع للميِّت، لما تصله من أدعية له بالرّحمة والمغفرة، ولكن هل يكون ذلك كافيا إن لم يتبعه ندم على ما فات من التفريط في الواجبات، وإقلاع فوري عن الخطايا والسيّئات، وعزم على عدم الرجوع إلى ذلك الحال مع التحلل من المظالم قبل فوات الأوان؟
إنّ موت واحد من المسؤولين أو أصحاب الرتب العليا فجأة، وما أكثر موت الفجأة في زماننا، لحريٌّ أن يُحيى ميِّتهم، ويُوقظ نائمهم، ويُنبّه غافلهم، فيراجع كل واحد منهم حساباته من جهة علاقاته بزملائه، فكثير من هذه العلاقات ما يؤثر فيها التنافس المكروه والمحرّم، وتتبّع الأخطاء والكيد المجرَّم، وكثيرا ما يظلم المسؤول منهم من هو تحت مسؤوليته بسبب الولاءات والفكر المُلثّم أوالغيرة والحسد الملغّم، مستعملا بعض الإطارات الذين لهم القابلية ليؤكل الشوك بأفواههم، ويعيش البعض منهم في هذه الدوّامة وهو لا يدري أنه إذا أمسى قد لا يصبح وإذا أصبح قد لا يمسي!
ثمّ حريّ بهم أن يراجع كل واحد منهم حاله من جهة ما ينبغي أن يقدّمه من موقع منصبه لمشروع الأمّة الجزائريّة، الذي يحفظ لها أمْنَها وهُويّتها وثوابتها، والذي أرسى قواعدَه شيخُنا علّامة الجزائر عبد الحميد بن باديس رحماتُ الله عليه. فمن يتحرّج من مجرّد الحديث معه عن هذا المشروع -فضلًا أن يُدافع عنه- مُوهِماً نفسه أنَّ موقعه كمسؤول يمنعه من ذلك، فماذا سيكون جوابُه عند الله تعالى؟ وهل اتّعظ بالموت من أساء إلى هذا المشروع بقصد أو بغير قصد حفاظاً على منصب زائل وإن كان بمرسوم رئاسي؟ وكيف ينعم ويهنأ من يتقاضى راتبا بسلّم خارج التصنيف، وهو يدير ظهره للمشروع، ولا يبذل أدنى جهد للتمكين له؟
فهل أدرك المسؤولون وأصحاب الرتب العليا أنّ عليهم ما ليس على غيرهم من عامَّة النّاس من الواجبات، فهم وإن كانوا يشتركون معهم في الواجبات الفرديّة إلَّا أنَّهم يفترقون عنهم في واجب التمكين للمشروع الذي استشهد من أجله العلماء والمصلحون والمجاهدون؟
لقد عُلِمَ أنَّ من مات فقد أفضى إلى ربِّه، وقامت قيامتُه، فصار في قبره من المحتجزين، ولعمله من المجزيّين، أمّا من سمع بموته من الأحياء أو شهد جنازته، فالموقف موقفُه، والعمل عمله، ماذا قدّمتَ؟ وماذا أنت عازمٌ على تقديمه؟ هل يكفي أن تكتب منشوراً، وتذكُرَ خصال الميِّت، وتترحَّم عليه، ثمّ لا يتغيَّرُ شيء من حالك وعلاقاتك مع الله ومع الآخرين؟ ولا تتحرّكُ عزيمتُك في تدارك تقصيرك وتفريطك؟
إنَّ موعظة الموت وإن كانت صامتة إلَّا أنّها بليغة، ترفعُ الهمم، وتُعلي العزائم إلى القِمم، وتُزيلُ ران القلوب، وتُطهِّرُ النُّفوس من أدران الذّنوب، وتذكِّر العباد بيومٍ يبعثون فيه فرادى كما خُلقوا أوَّلَ مرّة، وتشحَذُ هِمَمَ كلِّ مسؤول ليخدُم دينه ووطنه بما يتوافق مع مشروع أمّتنا الجزائريّة. وعندما يكون للموت هذا الأثر في نفوسنا، كما له الأثر في وسائل التّواصل الاجتماعيّ سنعيش، ولا نموت حتّى نموت، كما أوصى الشيخُ الصالح صديق الأستاذَ الهادي الحسني -حفظهما الله تعالى- بقوله: (لا تمت حتى تموت).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
  • هُمُومٌ..
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com