وراء الأحداث

ماكــــرون والدولار وحقـــــوق الإنســــــــــــان

أ. عبد الحميد عبدوس/


من الأوهام التي عمرت طويلا مقولة «فرنسا بلد حقوق الإنسان» ،ولعل آخر ضربة وجهت لصحة هذه المقولة هي ما قام به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عند استقباله للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي خصه بأرفع مستوى من التشريفات خلال زيارته الرسمية لفرنسا التي استغرقت ثلاثة أيام (6 إلى 8 ديسمبر 2020) في حين تشهد مصر تحت حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي ـ حسب تقارير منظمات حقوق الانسان في العالم ـ أخطر المراحل في انتهاك حقوق الإنسان، وهذا ما جعل أحد مسؤولي الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان يقول عن فخامة البروتوكول الذي خصت به هذه الزيارة: «مندهشون لقيام فرنسا بمد السجاد الأحمر لديكتاتور، في وقت يوجد أكثر من 60 ألف معتقل في مصر». أما الرئيس الفرنسي فقد طمأن ضيفه المصري على أن وضعية حقوق الإنسان في مصر هي آخر اهتماماته، أو أنها لن تكون أهم من التجارة وتحصيل الدولارات الكثيرة من صفقات الأسلحة، إذ أكد ماكرون خلال لقائه بالسيسي: «أن مبيعات الأسلحة الفرنسية لمصر في المستقبل لن تكون مشروطة بتحسين حقوق الإنسان هناك».
لقد أصبحت مصر من أهم زبائن فرنسا في مجال شراء الأسلحة، بعد اقتنائها لمجموعة من طائرات «رافال» المقاتلة ذات الكلفة المرتفعة ،كما باعت فرنسا لمصر بارجتي «المسترال» ،وهما سفينتان حربيتان متطورتان اشترتهما مصر في عهد الرئيس السابق فرانسوا هولاند بتمويل سعودي، وتقدر صفقات الأسلحة بين فرنسا ومصر بمليارات الدولارات، حيث تقدمت فرنسا في مجال مبيعات الأسلحة ومختلف المعدات العسكرية لمصر على الولايات المتحدة. غير أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لم يكتف في زيارته لفرنسا بأن حمل في جعبته نية ابرام المزيد من الصفقات والعقود التجارية والاستثمارية، ولكنه حمل أيضا ورقة مكافحة الإرهاب، وهي الورقة التي توفر للطغاة والديكتاتوريين من البلدان العربية والاسلامية رخصة الدخول في قائمة الاصدقاء والحلفاء للأنظمة الغربية ،وخاصة في فرنسا التي أصبحت تمثل في عهد الرئيس ماكرون عاصمة للإسلاموفوبيا ،حتى أصبحت السلطات الفرنسية تكاد تلغي الحدود بين مكافحة الإرهاب ومعاداة الإسلام.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شكر نظيره المصري عبد الفتاح السيسي على زيارته لباريس بعد ما أسماه «حملة الكراهية» ضد فرنسا في العالم الإسلامي. في هذا السياق يبدو أن السلطات الفرنسية والسلطات المصرية تتوافق على اعتبار حملة الغضب التي عمت العالم الاسلامي بعد تأييد الرئيس الفرنسي ماكرون الرسوم المسيئة لمقام الرسول صلى الله عليه وسلم التي أعادت نشرها مجلة شارلي هيبدو، وما نتج عنها من حملة مقاطعة البضائع الفرنسية بأنها «حملة كراهية» حركتها التيارات الإسلامية المتطرفة ضد فرنسا. الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لم يتردد في تأييد «مشروع قانون مكافحة النزعة الانفصالية»، الذي رفضته العديد من الجمعيات الإسلامية والشخصيات الفرنسية العلمانية بسبب استهدافه التضييق على حياة المسلمين، إذ أنه بمجرد الإعلان عنه في فرنسا أثار جدلا كبيرا مما جعل السلطات الفرنسية تغير اسمه وتسقط لفظ الانفصالية منه لتسوقه تحت تسمية «القانون الداعم للعلمانية وأسس الجمهورية»، ولكن تغيير اسم أو عنوان مشروع القانون لم يؤثر على تغيير محتواه ومراميه الأصلية، ورغم تمسك السلطات الفرنسية بحالة الإنكار فإن مشروع قانون مكافحة الانفصالية يستهدف المسلمين والديانة الإسلامية إذ أدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مفهوم «الانفصالية الإسلاموية» في شهر أكتوبر 2019، إلى القاموس السياسي الفرنسي، وعرفه بأنه: «رفض العيش المشترك والخروج من الجمهورية وذلك باسم ديانة هي (الإسلام) التي يتم تحريفها».
الرئيس السيسي اعتبر بأن مشروع هذا القانون، «يضمن احترام المبادئ الجمهورية «خلافا لما تراه العديد من الشخصيات الفكرية والسياسية والحقوقية الفرنسية التي حذرت من عواقب القانون على ملايين المسلمين في فرنسا، وفي ظل ما تقدم لم يكن من الغريب أن يجد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حفاوة وتشريف كبيرين خلال زيارته الاخيرة لفرنسا من طرف نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون .قد يكون من المقرف أن تصل لوثة الإسلاموفوبيا بالرئيس الفرنسي إلى كل هذا التنكر والإساءة لقيم فرنسا الديمقراطية، وحتى للقيم والأفكار التي كانت تصدر عن الرئيس ماكرون قبل عام فقط، ففي مطلع العام الماضي (2019) دخل إيمانويل ماكرون خلال زيارته للقاهرة في سجال حقيقي مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حول وضعية حقوق الإنسان في مصر، حيث صرح الرئيس الفرنسي أن طريقة حكم الرئيس السيسي تعتبر أكثر قساوة من نظام الرئيس المصري الأسبق مبارك ،وقد رد الرئيس المصري بأن مصر ليست أوروبا ولا أمريكا، وقال: «نحن دولة ومنطقة لها طبيعتها».. ولكن الرئيس ماكرون أكد له أن «الاستقرار» مرتبط باحترام الحريات الفردية ودولة القانون، وهو عكس ما يدعيه اليوم (ديسمبر 2020) خلال استقباله للرئيس السيسي في باريس عندما زعم بأن «اتخاذ موقف أكثر صرامة بشأن احترام حقوق الإنسان سيكون له نتائج عكسية».
السيسي وجد الجو مناسبا عند مستقبليه الفرنسيين لشيطنة خصومه السياسيين من الإخوان المسلمين الذين قاد ضدهم حركة انقلاب عسكري وسخر كل إمكانيات الدولة المصرية للتنكيل بهم في الداخل ومطاردتهم في الخارج، وانتهز فرصة فتح صدور الجرائد الفرنسية الكبرى له ليصرح بما يشبه العتاب لمن كانوا ينتقدون قمعه الوحشي لحركة الإخوان المسلمين: «يبدو لي أن فرنسا أصبحت تقيس بصورة أوضح الآن مدى الخطر الذي يمثله الإخوان المسلمون على المجتمع والمواطنين الأوروبيين».
وفي مقابلة مع صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية قال عبد الفتاح السيسي: «ليس من فراغ وضع الإخوان المسلمين على قائمة المنظمات الإرهابية في مصر أو في العديد من بلدان المنطقة الأخرى، فتغلغل عملهم في المنظمات الخيرية والمنظمات الإرهابية المسلحة التي يسيطرون عليها وتدخلهم في الدوائر السياسية المؤسساتية، يمثل تهديدا وجوديا للدول، وهم يختبئون وراء الدين لتبرير شمولية رؤيتهم».
كما حذر فرنسا والغرب مما سماه «إيديولوجيتهم المميتة»، وبهذا الصدد قد يكون من المهارة السياسية أو من الانتهازية الأخلاقية أن يحاول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي توسيع دائرة العداوة لخصومه السياسيين وتسويد سمعتهم، ولكن لا يمكن لعبد الفتاح السيسي ولا لمستمعيه أن ينسوا بأنه كان وزيرا للدفاع لمدة سنة كاملة في حكومة تسيطر عليها حركة الإخوان المسلمين التي تعتنق حسب اعتقاده «إيديولوجية مميتة»، وأن أحد زعماء هذه الحركة وهو الرئيس الراحل الدكتور محمد مرسي الذي انقلب عليه هو من رقاه إلى رتبة فريق وعينه وزيرا للدفاع في مصر.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com