قضايا و آراء

الأم الــــــــرؤوم…

د/ عاشور توامة /


سيظل الحديث عن الأم الرؤوم من الموضوعات الكبيرة، والفلسفة الوحيدة التي لا يجيدها إلا كل عقل رصين، وفكر قويم، وقلب رحيم، وعاطفة منقطعة النظير، فما أعظم الأم… !؟ التي جُعلت الجنة تحت أقدامها، وطاعة ولدها لها مرتبطة بطاعة الله ورسوله، وقد حثنا القرآن على الإحسان إلى الوالدين في أكثر من موضع من آيه الكريم، بيد أن الحديث عن الأم الرؤوم لدى البشر قد تعجز عنه التعابير والكلمات، وتخبو عنده جواهر المعاني المسكوبات، سيما ساعة الولادة فما أعظمها من ساعة إن كانت مرتقبة لحظة بلحظة، وبهوس وتوجس يخالطه شيء من الشغف والرجاء، ساعة عسر فيسر، وطلق مخاض وزغاريد تبريكات، ودموع تعزف لحن الأمل، وأفراح ترقص على أوتار أمر جلل، لا غرو أنها ولادة مستمرة تومئ بحياة عظيمة لإنسان جاء إلى الوجود طوعا وكرها بدفق من الأمل ودفء الأنس وملاذ الحب والسعادة، حاملا معه مشاعر براءة البنوّة، ومشاعل حُنو الأبوّة، وزينة الحياة الدنيا وبهجتها، وجمالها الطاغي وفتنتها.
ولذلك يوصينا الشاعر القديم أبو العلاء المعري بالوالدين وبخاصة الأم ناصحا ومذكرا:
العيش ماض فأكـــــرم والديك به والأم أولى بإكـــــــرام وإحـــــــسان
وحسبها الحمل والإرضاع تدمنه أمران بالفضل نالا كل إنسان
سعادة تُسقى من عين أم تترقب، وحب جارف من دفء حنان مفعم، وخيفة من توجس مغرم على مولود مقدم على الحياة ..إنها الأم الرؤوم التي إذا أنجبت أجادت فن الوجود والتعهد، وإذا أحبت أفنت لتحيا من جديد، وإذا أخلصت لحبها غادر الإخلاص المتصنع من بعيد، وإذا أنفقت لا تنتظر مقابلا من الوليد، وإذا أعدت رجل الغد أعدته عصيا على الحياة شديدا، الأم ليست إشعارا وشعارات أو رؤيا وروايات أو قصصا وقصاصات في المناسبات، إنما هي في الوصف لحظة ضعف عن التعبير، وعجز تام عن التصوير، وشهقة دهشة من هول التقدير، وصدام مفاجئ من كل عرفان أو اعتراف عن الفضل والجميل ..
ولا بأس أن نوشح مقالنا بهذه الأبيات الحوارية الطريفة للشاعر إبراهيم المنذر التي تصف حنو الأم وصفا في غاية الادهاش والاذهال إذ يقول:
أغرى امرؤ يوما غــــــــــلاما جاهـــلا بنــــقـــــــوده حـــــــــتى ينــــــــــال به الوطــــر
قال ائتـــــني بفــــــؤاد أمـــــك يا فـــــــتى ولك الجـــــواهر والــــدراهـــــم والـــــدرر
فمضى وأغمد خنجرا في صدرها والقلب أخرجه وعاد على الأثـــر
لكـــــــنه من فــــــــرط دهـــــــــشته هوى فتدحرج القلـــــب المـــــــعفر إذ عــــــــــثر
ناداه قلــــب الأم وهـــــــــو مــــــعـــــــــفر ولدي حبيبي هل أصابك من ضرر
فكأن هذا الصوت رغم حـــــــنوه  غضب السماء به على الولد انهمـر
فاستــــل خنجره ليطعن نفــــــــــــسه طـــــــــعنا سيبـــــــقى عبــــــــــرة لمن اعــــــــتبـــــر
ناداه قلـــــــــب الأم كف يدا ولا تطعـــــــن فــــــؤادي مــــــــــــرتين على الأثـــــــر
حب الأم ما لا يقرأ ولا يُدوّن، وما لا يخطر على بال، ولا يتصور إلا قبل فوات الأوان، ولا يفنى عبر الزمان، إنه الحب الجارف الخالد والمعجز الشاهد، والحب الذي يقاوم كل أنواع التيارات والأعاصير، إنه الحب الذي تقف أمامه العاشقة عاشقة، والموتورة ساكنة، والمتمردة مروّضة، إنه الحب الذي لا يتوقف نبضه، ولا ينقص بعضه، ولا يتبرّم عطفه، ولا ينقطع حبله، ولا يعرف الملل إليه سبيلا، ولا يلهيه من الغدق سليلا، ولا تدهشه المقارنة، ولا تخوض فيه المقايضة، ولا تمثله المقايسة، ولا تغريه الإغواءات ولا تشتريه أموال العقيمات، إنه الحب المهيمن الذي لا يلد إلا الحب المستهام به، والحب الذي لست عليه بمسيطر إلا بالاحتواء فيه والاحتماء به، إنه الحياة التي تستشعر منها معاني الحضور، وجنة الطاعة التي تُزّف لها، ونار العقوق التي تتلظى بها، إنها الأم الرؤوم التي قال فيها الشاعر المعاصر كريم معتوق:
والأمُ مــــدرسـةٌ قـالوا وقـلـــتُ بـهـــــا كـل الـمدارسِ سـاحـاتٌ لـها تـقــفُ
هـا جـئتُ بالشعرِ أدنيها لقافيتي كـأنــــما الأمُ في اللاوصـفِ تـتصـــفُ
إن قلتُ في الأمِ شعراً قامَ معتذراً ها قـد أتـيتُ أمـامَ الجــمعِ أعـتــــرفُ

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com