الحدث

أزمة كورونا..الأطروحة النيوليبيرالية والإنسان الأخير: قراءة نقدية

أ. حرز الله محمد لخضر*


يعيش إنسان الحضارة المادية في القرن الواحد والعشرين حالة من طغيان النزعة البراغماتية والشغف المفرط بالجانب الشكلي من الحضارة «الأشياء والأشخاص»، فغَلَبَ عليه الولع بالمادة على حساب الروح، والمنفعة الجسمية على الكمال النفسي، وإشباع الشهوات على إصلاح الطبائع وتنقيح العقول وتهذيب الغرائز، وفي غمرة هذا السُّعَارِ المستشري تم تغييب أهم ركن في كيان الإنسان، الذي يمثل حقيقته وأساس كينونته وعنوان إنسانيته وآدميته…ألا وهو العقل والنفس البشرية!
وبسبب هذا الوَلَهِ بالماديات وإشباع اللذات، تقلصت دائرة القيم الإنسانية وتراجعت المعايير والمثُلُ الفردية والمجتمعية، التي كانت تمثل المقدس لدى المجتمعات الإنسانية عامة والإسلامية بصفة خاصة، لتحل محلها القيم السلبية والنظرة البراغماتية الضيقة، بأثقالها ومفاسدها التي ألقى بها الفكر الرأسمالي والشيوعي وأطروحات الحداثة وما بعد الحداثة والعلمانية المتطرفة، والتيارات الفلسفية الإلحادية، فأضحى «جسد الإنسان» هو محور الفلسفة الحديثة ومنتهى تدبير الحضارة والثقافة المعاصرة، فاسْتَعَرَتْ جذوة الشهوات والشبهات، وعمَّت الحروب والأنانيَّات، وطغى التحاسد والتناكر والعصبيَّات، وانحسرت مرابع الفضيلة والآداب، وتفشَّتْ مشاهد القبح الأخلاقي مِلء الأسماع والأبصار.
وإزاء هذه الوضعية تبرز الحاجة الماسة إلى إعادة مراجعة الأدبيات الليبيرالية، وأطروحات ما بعد الحداثة ونهاية التاريخ على يد الإنسان الغربي، وغيرها من المقاربات الفكرية التي قدمت كرؤى تفسيرية لحل مشكلات الإنسان وهندسة حاضره واستشراف مستقبله، فجردته من أي ارتباط بالخالق وناصبت العداء للدين وللإلاه والقيم والمثل الأخلاقية، واجتهدت في إثبات نسبيتها وضرورة إسقاطها لقيام المدنيات الفاضلة.فمنظومة المذاهب الحداثية والنيوليبيرالية والعلمانية واللائكية والرأسمالية الشرسة، التي قُدِّمَت طوال القرنين 19و20 على أنها البديل الفكري العبقري الذي يمكنه تفسير وتسيير الواقع الإنساني في الاقتصاد والسياسة والإجتماع والثقافة والدين والأخلاق، أضحت بحاجة ماسة إلى مراجعة عميقة تطال أصولها الفكرية وتخضعها للتقييم والنقد العلمي المتجرد، لنتساءل بعدها عن مدى قدرة هذه المذاهب الفلسفية على صناعة «الإنسان النموذج» الذي بشرت به، وعلى حماية المجتمع الإنساني من المخاطر الكونية وعذابات الضمير وجنايات الأنا الطاغية، فضلا عما تسببت فيه هذه النماذج الفكرية في شقها السياسي والاقتصادي والأخلاقي من تبعات خطيرة على مستوى المنتظم العالمي، تجلى ذلك في المخاطر البيئية الناجمة عن الشراهة المفرطة للمؤسسات الاقتصادية الرأسمالية الكبرى وما تبع ذلك من استنزاف بيئي وتغير مناخي، وكثرة الحروب والفشل في الحفاظ على السلم والأمن العالميين وتعميق التعاون الدولي ليشمل المجتمعات الهشة وما سمي بالعالم الثالث، إضافة إلى تعاظم مظاهر الظلم والأثرة وانعدام التوازن السياسي والاقتصادي بين دول الشمال والجنوب، الذي تجلى في استنزاف القوى الكبرى لمقدرات الشعوب المستضعفة، وارتهانها لصالحها وخدمة سياساتها واقتصاداتها.كل هذا وأكثر ونحن نشهد بداية أفول عصر التكتلات التقليدية وبروز إرهاصات تشكل أقطاب دولية جديدة.
لقد وضعت أزمة كورونا المجتمعات التي وصفت بالديمقراطية والليبيرالية أمام «معضلة أخلاقية تاريخية» فأظهرت هشاشة منظومتها القيمية ومرتكزاتها الفكرية المثالية، التي تتحطم باستمرار على صخرة المأساة الإنسانية، كلما مرّت باختبار حقيقي يكشف مدى صدقية هذه القيم المزعومة،كما شاهدنا ذلك في محطات عدة مع قضايا اللاجئين وحصار غزة وضحايا الحروب في ليبيا واليمن والعراق وأفغانستان وإفريقيا، وطرق إدارة الحروب عبر العالم لا سيما العالم الإسلامي وإفريقيا، ناهيك عن ممارسات العدوان الصهيوني بحق الأسرى والمهَجَّرين وتدمير منازل الفلسطينيين وسياسة قضم الأرض المنتهجة ضدهم، والسكوت عن معاناة إقليم الروهينغا والإيغور. أما على مستوى القيم الحقوقية التي لطالما اتخذها الغرب سجلا تجاريا لابتزاز الأنظمة والتدخل في السياسات الداخلية للدول، متغافلا عن مظاهر ابتذال المرأة وسَلْعَنَتُهَا في مجتمعاته كقضايا الإبتزاز الجنسي والخلاعة واستغلال القصّر والنساء في الصناعة الإباحية، ومساندة الأنظمة العربية المستبدة في انقلاباتهم وبطشهم بسجناء الرأي والقتل خارج إطار القانون مقابل الإحتفاظ بمصالحهم، ومن ذلك أيضا ما عرف خلال الأشهر الأولى لأزمة كورونا بقضية قرصنة الكمامات الطبية، حيث شاهد العالم كيف أن الإنسانية المزعومة تذبح بسكين الأنانية الوقحة عند أدعياء الحضارة والحداثة، وغيرها من القضايا والشواهد الكثيرة المسكوت عنها، والتي أثبتت نسبية قيم الإنسانية والعدالة والأخوة والمساواة عند أصحاب هذه الأطروحات، إذ أن تطبيقها لا يتعدى أضيق دوائرها التي لا تَسَعُ سوى الإنسان الغربي!
إن القراءات التفسيرية التي قدمها زعماء الليبيرالية والنيوليبيرالية حول النموذج المثالي للنظام السياسي والإجتماعي والإقتصادي للمجتمعات، ومآل العالم وسيناريوهات ما بعد الدمار الكبير، أثبتت إفلاسها الفكري والواقعي، وتهاوت تحت ضربات التجارب الإنسانية والوقائع التاريخية، والسياسات الإحتكارية والبطشية التي تنتهجها الأقطاب الدولية عبر مؤسساتها الإقتصادية والثقافية والقضائية والعسكرية، التي تحتكر مصادر القرار بها تلك الدول الديمقراطية والعلمانية والليبيرالية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كالأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي للإنشاء والتعمير والمحكمة الدولية بلاهاي وحلف الناتو وغيرها من المؤسسات الدولية والإقليمية التابعة لها بصفة رسمية وغير رسمية، والتي لم تزد العالم سوى ارتهان في يد القوى العظمى واحتكار وتحكم في موارد وسياسات الدول المستعمرة والضعيفة.
وفي سياق ذي صلة؛ عكف صمويل هنتغتون على البحث في مصير العلاقات الدولية بعد الحرب الباردة والتهديدات التي تعترضها، معتبرا أن تلك العلاقات لن تحددها في المستقبل العوامل السياسية والاقتصادية، وإنما ستحدّدها الاعتبارات الثقافية والحضارية المطَعَّمّةُ بالروح الدينية، مما سيتولّد عنها صراع بين الحضارات وصدام بين الثقافات، فهو يرى أن الحضارة الغربية المهيمنة لحد الآن تهدّد مكانتها الأولى سبعُ حضارات أخرى قائمة وهي: الصينية، اليابانية، الهندية، الإسلامية، اللاتينو-الأمريكية، الإفريقية، الأرثوذكسية،كما بيّن أهم مقوّمات كل حضارة وعناصر قوتها ودرجة خطورتها على الحضارة الغربية، وقد اعتبر الحضارة الإسلامية هي الأكثر خطورة، وما زاد من قيمة دفاعه؛ أحداث 11سبتمبر2001 وما ترتبت عليها من الحروب في أفغانستان والعراق وارتفاع موجة الإسلاموفوبيا في العالم الغربي.
وهذا ما يفسر سبب الهجمات المتعاقبة ضد الإسلام والمحاولات المتكررة لاستصناع نسخ مشوهة لدين الإسلام قصد التوظيف السياسي الماكر، من خلال الإعتماد على قراءات منتقاة وموجهة حول قضايا التراث-رغم ما يشوبها من أخطاء- وذلك لربط الإسلام بالعنف والإرهاب والتشدد بغرض تبرير فكرة الإسلاموفوبيا، ومن جهة أخرى تعمل دوائر الهندسة الفكرية التي سماها مالك بن نبي «مراقب الإستعمار»، على توجيه حركة الأفكار وتحريفها عن مسارها لصناعة نموذج من الإسلام المحرف والمبتذل، الذي يأتلف مع عقائد اليهود والنصارى ويتقبل المثلية ويتجرد من مبادئه التأسيسية وأركانه الإيمانية!
وقد نسج على منواله فوكوياما في أبحاثه حول نهاية التاريخ والإنسان الأخير شارحا نظريته بالقول: إن ما نشهده الآن ليس نهاية للحرب الباردة أو مرور فترة معينة لمرحلة ما بعد الحرب وإنما نهايةً للتاريخ، بوضع حد للأفكار الأيديولوجية في التاريخ الإنساني وانتشار قيم الليبرالية الديمقراطية الغربية. وتقوم نظرية نهاية التاريخ لفوكوياما على ثلاثة عناصر أساسية؛ العنصر الأول: هو أن الديمقراطية المعاصرة قد بدأت في النمو منذ بداية القرن 19، وانتشرت بالتدرج كبديل حضاري في مختلف أنحاء العالم للأنظمة الديكتاتورية. العنصر الثاني: هو أن فكرة الصراع التاريخي المتكرر بين «السادة» و»العبيد» لا يمكن أن نجد لها نهاية واقعية سوى في الديمقراطيات الغربية واقتصاد السوق الحر.العنصر الثالث: هو أن الاشتراكية الراديكالية أو الشيوعية لا يمكنها -لأسباب عدة- أن تتنافس مع الديمقراطية الحديثة، وبالتالي فإن المستقبل سيكون للرأسمالية أو الاشتراكية الديمقراطية.وطبقا لنظرية فوكوياما، فإن الديمقراطية قد أثبتت في تجارب متكررة منذ الثورة الفرنسية وحتى وقتنا هذا أنها أفضل النظم التي عرفها الإنسان أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا. ولا يعني فوكوياما أن أحداث الظلم والاضطهاد في التاريخ قد انتهت، وإنما التاريخ هو الذي انتهى، حتى وإن عادت نظم استبدادية للحكم في مكان ما، فإن الديمقراطية كنظام وفلسفة ستقوى أكثر من قبل. وقد قدم فوكوياما النموذج الغربي الأمريكي كصورة مثالية لنظريته وهو ما عرّضها لكثير من النقد، إضافة إلى أن بناءها النظري كان افتراضيا ومثاليا حيث صور النموذج الديمقراطي الغربي على أنه البديل الأبدي الأسمى لكافة المجتمعات الإنسانية، في حين أن الواقع ينتابه الإعتوار على مستوى التطبيقات والسياسات.
وفي الجهة الأخرى من العالم، عكف المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله منذ زمن بعيد، على وضع أسس البناء الحضاري وإعداد الإنسان الرسالي القادر على صناعة واستثمار عالم الأفكار والأشياء، فركز في أطروحاته الفكرية على تشريح واقتراح الحلول لمشكلات الحضارات لا التأسيس لصدام الحضارات، ووضع نظرياته لتكوينها وبناء إنسانها، فحلل مشكلة الثقافة وعالج مسألة الإقتصاد مفهومًا ومعادلةً وتطبيقًا، ووضع تصورا لمسار التكامل والإندماج الحضاري في العالم الإسلامي وعلاقاته مع الحضارات الأخرى، ونبه إلى خطورة الصراع الفكري في البلدان المستَعْمَرَةِ،كما أصّل بأفكاره العبقرية المرتكزات التأسيسية لمشروع المجتمع، وحدد شروط النهضة التي تتمحور حول الإنسان إيجادا وإعدادا وإمدادا.
وكم تغمرنا الحسرة عندما نجد أن مثل دراسات هنتغتون وفوكوياما قد اتسعت لها دوائر النقاش وأقيمت لها المحاضرات والندوات، وحظيت بالتحليل بل وانبهار كثير من مثقفينا وكُتَّابِنا المولعين بتبرير النموذج العلماني واللبيرالي، وتقديمه كأحسن ما أنتجته الإنسانية من نظام وقانون إجتماعي وسياسي، من دون أن تقدح أفكارهم بشَرَرٍ مَعْرِفِيّ مُؤصَّل ينير درب مجتمعاتهم ويسهم في حل معضلاتها، التي كان ذات يوم أدعياء الليبيرالية سببا في تأزيمها ولايزالون، في حين لم تجد أفكار مالك بن نبي إلا بعض الجهود المشتتة على استحياء، وقليلا من الرعاية المحتشمة في أغلب جامعات العالم العربي والإسلامي، وأقل من ذلك لدى صناع القرار!
* باحث دكتوراه بقسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية جامعة بسكرة (الجزائر)

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com