الحدث

فرحــــــة الـــرجــــوع لـصــــــلاة الـــجــمـعـــــــــــــة

د.محمد بوركاب

الحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات، وتُستجاب الدعوات، وتْغفر الزلات، وتعود الجُمعات، وتتنزل الرحمات، والصلاةُ والسلام الأتمّان الأكملان على نور الأنوار سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه ما دام الليلُ والنهار، وبعد:
فاعلموا أيها المؤمنون أنّه كما توالت علينا المصائب والنكبات، توالت علينا أيضا -ولله الحمد- النِعمُ والمسرات: فرحةُ ذكرى مولد حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفرحة ذكرى ثورة الفاتح من نوفمبر المباركة، وفرحةُ رجوع أبنائنا إلى مقاعد الدراسة، وفرحةُ رجوعنا إلى اجتماع صلاة الجمعة بعد انقطاع دام قرابة تسعة أشهر!!!
وقد ذكّرني هذا اليوم الأغرّ بفرحة الجزائريين بأول جُمعة صلوها غداة الاستقلال خطبَ فيهم علامَةُ الجزائر الإمام البشير الإبراهيمي رحمه الله، ومِن جملة ما قال: يا معشر المؤمنين، إنكم لم تسترجعوا مِن هذا المسجد سقوفَه وأبوابه وحيطانه، ولا فرحتم باسترجاعه فرحة الصبيان ساعةً ثمّ تنقضي!
ولكنكم استرجعتم معانيَه التي كان يَدُل عليها في الإسلام، ووظائفَه التي كان يؤديها: مِن إقامة شعائر الصلوات والجمعة، والتلاوة، ودروس العِلم النافعة على اختلاف أنواعها مِن دِينية ودنيوية، فإنّ المسجد يؤدي وظيفة المعهد والمدرسة والجامعة.
أيها المسلمون: إنّ الله ذَمّ قوما فقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[البقرة:114]، ومدح قوما، فقال: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)[التوبة:18]/[آثار الإبراهيمي].
فالمسجد هو أعظم مؤسسة في المجتمع المسلم، ولذلكم قدَّمه النبيّ صلى الله عليه وسلم على سائر المؤسسات، وبدأ بتعميره قبل غيره وهو يُؤسس دولة الإسلام في المدينة المنورة.
وأطهر بُقعٍ في الأرض المساجدُ، ولذلك نسبها الله لنفسه تشريفا وتعظيما، فقال تعالى: (وأَنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا)[الجنّ:18].
وقد أمر الله برفعها وتعميرها بالذكر والصلاة وتلاوة القرآن ودروس العِلم وقضاء الحوائج… فقال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ¤ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)[النور:38-36].
والقصدُ من ذلكم تحقيقُ غايات ومكاسب، أهما:
– تعظيمُ الله وشكره على نِعمه وآلائه.
– تحصيلُ النور الذي يضيئ لنا الطريق لنُميّز بين الحقّ و الباطل، لأنّ الكون كله ظُلمة وإنما أناره ظهورُ الحقّ فيه، لقوله تعالى:(اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرٌضِ)[النور:35] ثمّ بَيّن لنا أين نجد النورَ، فقال في الآية التي بعدها: (فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ) فالمساجد هي مصدر النور والمعارف.
– جمعُ كلمة المسلمين وتعزيزُ وحدتهم، وما سُمّيت صلاة الجمعة والجماعة بذلك الاسم إلا لأنّها تجمع.
– تَنَزُّل الرحمات التي بها يُرفع البلاءُ والوباءُ، ولذلك قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا دخل أحدُكُم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبوابَ رحمتك” [رواه مسلم].
– تفقُّدُ أحوال المسلمين وتفريجُ كرباتهم، فيُسأل عن غائبهم وتُقضى حوائجُ حاضرهم.
– التوسعة على الناس في أرزاقهم شريطة الأخذ بالأسباب لقوله تعالى: (فَإذا قُضِيَتِ الصّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضلِ اللهِ)[الجمعة:10] فجمع بين السعي في الأرض وتحصيل الرِزق، وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرجنا من المسجد أن نقول: ” اللهم افتَحْ لي أبوابَ فَضلِك “.
– نيلُ رِضاء الله، ومَن رضي اللهُ عنه فقد أفلحَ، وفي الحديث القدسي “فطُوبى لمن تطهّر في بَيته وزارني في بيتي، فحَقٌّ على المَزورِ أن يُكرم زائرَه”.
فالزموا بيوتَ الله يا عباد الله، وتوبوا إلى الله توبةً نصوحا ورُدُّوا الأمانات والمظالم إلى أهلها ليرفع اللهُ عنا البلاءَ والوباءَ، قال تعالى: (وما أصَابَكُم مِن مُّصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيدِيكُم ويَعْفُو عَن كَثِيرٍ)[الشورى:30]

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com