مساهمات

واقعنا اليوم: الدعوة إلى تجديد الدين أم خطاب الدين؟

أ. محرز شلبي /

تفاجأ العالم كله، الكافر فيه والمؤمن بانقلاب كل أنواع الموازين والمفاهيم في عهد كورونا مسّ حتى القضايا التعبدية فصار فيها نظر!!
وبناءا على الحالة الوبائية الموضوعية التي شملت العالم، وهذه الاجتهادات الاستثنائية التي دفعت نحو إلغاء حتى موسمي العمرة والحج وإغلاق الحرم المكي، تساءل بعضهم حول إمكانية أن يتقدم العلماء والفقهاء بخطوة أخرى نحو الأمام، وذلك بالإفتاء بجواز التخلي عن العبادات الجماعية، والاكتفاء بالعبادة الفردية لتأكيد أن الدين هو علاقة شخصية بين العبد وربه…
هذا الموقف كموقف آخرين، حين اعتبروا أن من حق المسلم أن يجتهد في العبادات، بما في ذلك عدد الصلوات وعدد ركعاتها، وكيفية أدائها.
الخلط بين مفهوم التجديد للدين أم للخطاب؟
يتردد طوال العقدين الماضيين» مصطلح تجديد الخطاب الديني ويكون المعنى كامنا بنفس من يطالب به دون أن يعرف معنى الخطاب أو المعنى الديني، وقد أسهب بعض الشيوخ في إيراد حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم – الخاص بأن الله يبعث على رأس كلّ مائة عام من يجدد لهذه الأمة دينها».
الخطاب الديني مسلسل حواري متى ينتهي؟
صحيح أنّ الخطاب الديني يمر بأزمة هيكلية تعود إلى قرون طويلة، وأن هناك حاجة ملحة لمراجعة الأساليب والمناهج المعتمدة في تبليغ الدين إلى المؤمنين به، سواء داخل المساجد أو خارجها، لكن ذلك لا يبرر القول بأن المراجعة يجب أن تشمل طقوس العبادة لأن مسارا من هذا القبيل من شأنه أن يؤدي إلى تقليص مساحة التدين ووضعه في نطاق ضيّق جدًا، وتحويله إلى شعور ذاتي، خفي، لا يراه ولا يلمس آثاره أحد.
العبادات ثوابت ربانية
إنّ الممارسة الجماعية لبعض العبادات مثل الصلاة والحج قد أسهمت (ولا تزال) في حماية الهوية الدينية، وضمنت استمرارية الأمة ومعتقداتها، وحافظت على جانب حيوي من العلاقات الاجتماعية والروابط الثقافية. وهو جانب لا يمكن التقليل من أهميته في مرحلة تاريخية صعبة ومعقدة تكاد الأشياء تفقد فيها المعنى والدلالة. فالعبادات في كل دين لها أكثر من هدف وتقوم بأكثر من دور، لهذا يمكن تعميق النقاش حول أبعاد العبادات وتأثيراتها المحتملة على الأفراد والمجتمع وحركة القيم، لكن من المستحيل إلغاؤها والتخلي عنها نهائيا.
لا يعني هذا أنه لا يحق لأي مثقف أن يطرح ما يريد من أفكار، أو أن يتساءل عن أي عقيدة أو أي عبادة في الإسلام أو غيره، لكن يفترض أن يؤدي ذلك إلى وضع أفضل، وأن تعكس تلك الدعوة احتياجا فعليا فرضه الواقع الموضوعي للمجتمعات.
لا عيب في مناقشة الخطاب الديني اليوم
ليس كل ما يقال داخل المساجد مقبولا وإيجابيا. قد تحصل أحيانا كوارث، وتعمل حكومات على تكريس خطاب ديني متخلف يعمل على مدح الدكتاتوريات وتبرير سلوك المستبدين وجرائمهم، لكن ذلك ليس مبررا كافيا للتخلي عن المساجد وأدوارها.
كما أن صيغة إمام يخطب من فوق منبر، ومنع السامعين له من الاعتراض عليه أو مناقشته في ما يقوله خلال خطبة الجمعة؛ صيغة من شأنها أن تكرس أساليب الطاعة والخضوع، لهذا اعترضت امرأة على عمر بن الخطاب وهو إمام، لكن ذلك لا يعني أن نحول مؤسسة الجامع إلى برلمان مفتوح.
لا إكراه في الدين (مبدأ رباني)
تبقى العلمانية اختيارا هاما ومفيدا، شريطة أن تستوعب الدين وألا تعمل على إلغائه، أو تهميشه. فالعلمانية تبدأ بفصل الدين عن الدولة، وفي ذلك إنقاذ للدين من حسابات الدولة واستبداد رجالها في كثير من الحالات. لكن هناك من لا يقف عند هذا الحد، وإنما يتقدم خطوات أخرى نحو الأمام، فيطالبون بفصل الدين عن التشريع والقانون، وفصل الدين عن الشأن العام، وفصل الدين عن الأخلاق، وأخيرا فصل الدين عن العبادات.
هذا المسار وإن فشل تاريخيا، إلا أنه يجعل الملتزمين بالدين في حالة خوف على معتقداتهم وعلى حرياتهم الدينية، ويؤدي إلى صراعات وتوترات داخل المجتمع.
ومن الجزائر خلاصة الكلام
في ندوة منذ سنوات عقدت بكلية الدراسات الإسلامية في الجزائر حول الثابت والمتغير في الشريعة الإسلامية وكانت ندوة ثرية تدخل في صلب الموضوع يقول د. عبدالله الأشعل: «المطلوب التجديد فيه، فلا يجوز أن يتخذ التجديد شعارا وستارا للهجوم على الدين والنفاذ إلى مصادره الرئيسية القرآن والسنة وتلك قضية بالغة الأهمية وتستدعي من كل المتخصصين الدعوة إلى فهم جديد للنصوص الثابتة تستجيب لكل المتغيرات ولكنها لا تمس النص الثابت، والنص يقصد به القرآن والسنة وحدهما أما اجتهادات الفقهاء فيؤخذ منها ويرد رغم أن الفقه الإسلامي هو أحد مصادر التشريع في بعض الدساتير العربية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com