إصدارات

مع كتـــاب “شــخـصيــات وذكــريــــات” للـدكــتـــــور مـــولــــود عـــويــمـــر

د. عبد القادر سليماني*/

يعتبر الدكتور مولود عويمر واحد من القلة القليلة الني يمكننا أن نطلق عليهم وصف العلماء العاملين في زمن كثر فيه حملة الشهادات العليا وقل الإنتاج العلمي حيث صارت غاية الغايات عند الباحثين هي تحصيل الشهادة ثم الركون الى الراحة والدعة وربما المزاحمة على المناصب. أما البحث العلمي والأكاديمي فتلك نافلة مهجورة.
في هذا المناخ بالذات يبرز اسم الدكتور مولود عويمر محدثا الاستثناء الجميل…. فالرجل الى جانب كتاباته الفكرية العميقة والرصينة وتخصصه في تراث الحركة الإصلاحية الجزائرية… له صولاته وجولاته أيضا في ربوع الوطن الشاسع شرقا وغربا شمالا وجنوبا وخارجه حاملا على عاتقه همّ التبليغ.
والتبليغ يا سادة ليس قرآنا يُتلى أو أحاديث تُروى فحسب بل هو الى جانب ذلك ومعه… تاريخ يُستحضر… وأمجاد تُستذكر، وواقع لابد أن يُفهم ليكون أساس استشراف المستقبل.
من أجل ذلك كله نجد الدكتور عويمر لا يتوانى عن تلبيه أية دعوة محاضرا ومدرّسا وناقلا أمينا لما استودعه الله في صدره من علم وفهم…
وأنا في هذه السطور لست أرمي الورد جزافا أو تملقا -يعلم الله ذلك- فالرجل ليس في حاجة إلى مديحي أنا أو سواي ولكنها شهادة الحق التي برغم أنف المرء على الشهادة بها لأعدائه…. فما بالك بمن يحبهم من أمثال أستاذنا العزيز.
وأنا شخصيا لم أتشرف بالدراسة عند الأستاذ الكريم وذلك مما آسف له ولكني عرفته من خلال كتبه فاستهوتني أفكاره وأبهرتني ميزة التوثيق التي يتحلى بها في زمن قلّ فيه التوثيق والتوثق.
وهنا سأشير الى كتاب مهم للدكتور يجمع بين عمق الأفكار ومتعتها وهما ميزتان قلما تجتمعان في كتاب واحد وهو كتاب “شخصيات وذكريات.. مشاهد من عالم الذاكرة” الذي كان فاتحة ولوجي إلى عالم الدكتور مولود عويمر الرحب، فاكتشفت رجلا عصاميا بحاثة محبا للإطلاع قادرا على الاقتراب من الآخر بسهولة ويسر.
والأخر هنا ليس شرطا أن يكون المختلف فكريا وحضاريا.. بل قد يكون القريب اقليميا أو حضاريا أيضا… يبرز ذلك جليا من خلال محاوراته مع شخصيات كبيرة بحجم الشيخ عبد الرحمن الجيلالي أو الشيخ عبد الرحمن شيبان أو المفكر عبد الرحمن بدوي وغيرهم من الأعلام رحمهم الله جميعا.
هذا الكتاب جدير بالقراءة وهو بالمناسبة في طبعتين مختلفتين شكلا ومضمونا إلى حد ما. وجدارة الكتاب لا تتأتى فقط من اسم صاحبه بل أيضا لأنه متعدد التصنيف.
يمكنك أن تصنفه ضمن أدب الرحلات كما يحق لك أن تعتبره من فنون السيرة الذاتية أو الحوار الصحفي، وهو في كل ذلك يجمع بين السرد التاريخي الممتع والوصف المشبع والحوار الفكري الهادئ.
هذا عن الكتاب وصاحبه، أما إن جاز لي أن أتحدث عن تجربتي الشخصية معهما (أي الكتاب وصاحبه) فقد قدّر الله تعالى أن عرفت الدكتور عويمر شخصيا بعد أن عرفته من كتابه فتشرفت بالعمل معه بجامعة الجزائر 2 أبو القاسم سعد الله.
واكتشفت رجلا عالما متواضعا تُحس بطيبته بمجرد أن تخالطه… فالحواجر الأكاديمية عنده مفقودة والبروتوكولات مرفوضة والأبواب مفتوحة مشرعة، وتلك صفات العلماء.
وأنا في الأخير أنصح كلّ من يهمه الأمر أن يقرأ الكتاب ويستمتع به أولا ثمّ أن يتعرف الى صاحبه ثانيا لتكتمل الفائدة معرفيا وإنسانيا.
* أستاذ بجامعة الجزائر 2

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com